رواية درة الجبالي الحلقه الاولى بقلم نور محمد حصريه وجديده
رواية درة الجبالي الحلقه الاولى بقلم نور محمد حصريه وجديده
"لمي خلاجاتك يا بت الناس، السبوع خلص، ومهرك اللي يغني أهلك لآخر عمرهم وصلهم دلوك لحد باب الدار."
الكلام خرج متلج، قاطع، مفيش فيه ريحة الرحمة من بين شفايف "عزيز الجبالي"، عمدة البلد وكبيرها. كان واقف في بلكونة سرايته الفخمة اللي باصة على وسع الأراضي والغيطان في بلد من بلاد قنا العريقة، لابس جلابيته الصعيدي الغالية من الصوف الإنجليزي، والعباية اللي مدياه هيبة وتقّل ولا كأنه راجل عدى الخمسين وهو لسه ابن تلاتين سنة. بينفخ دخان السيجار الكوبي بتاعه ببرود، وفي ضهره واقفة عروسته اللي مكملتش أسبوع في بيته، بتعيط ومنهارة من القهر.
"يا عمدة.. أبوس يدك، أنا عملت إيه عشيات عشان تطلجني؟ أنا فكرت إني هعمر السرايا دي وهنسيك كل البنته اللي جابلي!" صرخت البنت بدموع تحرق الحجر، وهي متبتة في طرف عبايته.
عزيز شد عبايته من إيدها بنترة خفيفة، وبص وراه بعينين الصقر اللي وارثها عن أبوه، عينين مفيهاش رحمة لو جت عند كبريائه:
"إنتي خابرة زِيْن إن الجوازة دي مدتها سبوع واحد يا شادية، أبوكي جابض التمن، وإنتي خدتي دهبك وحالك. مفيش مرة دخلت السرايا دي وعتبتها بعد السبوع.. أنا بشتري متعتي بفلوسي، وعزيز الجبالي ما بينضحكش عليه بكلمتين عياط. يلا، رضوان الغفير مستنيكي تحت عشان يوصلك لداركم."
سابها عزيز تندب حظها ودخل جوة بخطوات مالية مكانها، فقابلته أمه "الحاجة زينب" بوش مفروس ومضايق:
"لحد ميتي يا عزيز؟ لحد ميتي هتفضل على الحال ديه؟ كل سبوع بكرية شكل، تدفع فيها ألوفات مؤلفة، وتكسر جلبها وترميها لأهلها؟ السرايا دي بتصرخ من السكوت، محتاجة ضحكة عيل، محتاجة ست زينة تعمرها."
قرب عزيز من أمه وباس إيدها وراسها بحنية متتصدقش بعد القسوة اللي لسه موريها لشادية، وقال وهو بيضحك بتهكم:
"يا أمة، متعة الدنيا في التجديد، والنسوان إهنه في البلد كلهم طمعانين في فلوس وعز الجبالي، مفيش واحدة فيهم تستاهل تشيل اسمي وتجيبلي وريث. أنا واخد العمدية والمال، وواخد من أبوي الله يرحمه مزاجه العالي. ريحي بالك إنتي بس، وادعيلي."
الأم اتنهدت بقلة حيلة من ابنها اللي بقى نسخة كربون من أبوه في جبروته ونسوَنته، لأ وده فاق عليه كمان ببدعته الجديدة: يتجوز البنت العذراء سبع تيام بالتمام والكمال، وبعدها يرمي عليها يمين الطلاق مع مهر يغرقها فلوس.
على الناحية التانية من البلد، في البيوت البسيطة اللي مليانة دفى وطيبة أهل الصعيد، كانت قاعدة "درة". اسم على مسمى؛ درة وجوهرة غالية، ملامحها مصرية أصيلة تخطف العين، عيونها واسعة كحلية تسحر، وبشرتها خمرية رايقة، بس الحزن كان راسم خطوطه حوالين عينيها. كانت لابسة العباية السودة اللي مش قالعاها، وفي إيدها شال قديم مقرباه من مناخيرها بتشم ريحة غابت ومش راجعة.
"هتفضلي دافنة روحك بالحيا إكده يا درة؟"
قالتها أمها "فاطمة" بحرقة وهي بتحط إيدها على كتف بنتها. "يا بتي، صالح مات بقاله سنة، الله يرحمه ويغفر له. نصيبكم تعيشوا سوا ست شهور بس، المكتوب مفيش منه مهرب، لكن إنتي لساتك صغيرة، والحياة قدامك."
درة رفعت عينيها المليانة دموع، بس صوتها كان طالع فيه إصرار يكسر الصخر:
"صالح مامتش يا أمة.. صالح عايش إهنه.." شاورت على قلبها، وكملت بصوت مكسور: "الست شهور اللي عشتهم في حضن ابن عمي، يسووا عمري كله جابله وبعده. كان حنين، كان سندي، والزين كله راح معاه. جفلي على السيرة دي يا أمة، أنا درة صالح، وهفضل أرملته لحد ما أروحله."
مسحت دموعها بكف إيدها وقامت وقفت بصلابة رغم كل الوجع: "أنا هروح الغيط أطل على الأنفار اللي بيجمعوا المحصول، وأشوف حسابهم."
"يا بتي الشمس حامية، وأنتي مكلتيش لقمة من الصبح!"
"مفيش حاجة هتحصلي يا أمة، سيبيني أشم هوا ربنا يمكن صدري يوسع شوية."
خرجت درة بخطوات هادية، لافة شالها الأسود على راسها، وخصلات شعرها الفحمية طالعة من تحت الطرحة على جبينها. كانت ماشية في سكك الغيطان، بتشم ريحة الطين والزرع الأخضر على شط النيل في "إسنا"، وسرحانة في ذكريات حبها اللي اندبح غدر بحكم القدر.
في اللحظة دي، كان عزيز الجبالي بيلف في أراضيه وهو راكب حصانه العربي الأصيل "ليل"، أسود وطويل وفارع زي صاحبه بالظبط. كان حاسس بزهق غريب مالي صدره، ورغم إنه لسه مخلص جوازة الأسبوع، إلا إن الفراغ كان بيطارده. سايق الحصان بسرعة جنونية كأنه بيفرغ غضبه في الهوا، والتراب بيعفر وراه.
عند ملف ضيق بين الغيطان، كانت درة بتعدي السكة. مسمعتش صوت الحوافر في الأول من كتر ما هي سارحة، ولما لفت وشها، لقت الحصان الأسود الضخم داخل عليها زي القطر.
في ثانية تحبس الأنفاس، عزيز شد اللجام بكل عزم عنده لورا. الحصان صهل بصوت عالي ووقف على رجليه اللي ورا وكاد يوقع عزيز من فوقيه، ووقف بالعافية على بُعد كام خطوة صغيرة من درة.
الكلاب قعدت تهوهو في كل حتة، والتراب ملى الجو لثواني قبل ما يهدى.
عزيز افتكر إن البنت اللي كانت هتداس هتقعد تصرخ، أو ترتعش من الخوف، أو تعيط وتطلب السماح زي أي حد بيقف في طريق عمدة الجبالية. بس لما نزل عينه لتحت، الدم نشف في عروقه.