وتَر الصعيد بقلم ياسمينا إمام - مقدمه والفصل الأول حصريه وجديده
وتَر الصعيد بقلم ياسمينا إمام - مقدمه والفصل الأول حصريه وجديده
عانت طفولتها من قسوة والدتها، وكأن الأيام تآمرت لتصوغ ضعفها بصوت عالٍ وسط الصمت. كل لحظة ألم حُفرت في ذاكرتها كانت بمثابة باب يُغلق في وجه قلبها الصغير. كبرت وهي تحمل أثقال الوحدة، تتجنب الناس، وتختبئ خلف قناع اللامبالاة. صارت انطوائية، لا تجرؤ على خوض العلاقات الاجتماعية، وكأن كل يد تمتد نحوها تحمل خنجرًا جديدًا.
استمرت حياتها في دائرة مغلقة، حتى أتى اليوم الذي رحلت فيه والدتها عن العالم. لم تشعر بالحزن، بل بشيء أقرب إلى الفراغ، كأن جزءًا من صراعها اليومي قد انتهى فجأة.
وفي لحظة من الوحدة الشديدة، حين كانت محاطة بالصمت القاتل، احتضنها طيفه برفق. لم تعرف من أين جاء، لكن صوته تسلل إلى روحها، عميقًا كنسمة شتوية دافئة، وهمس:
"أغمضي عينيك... تنفسي عميقًا... وانظري في أعماق روحك المتمردة. هناك، حيث يسكن الأمل، يعيش حلمك المنتظر."
حينها شعرت بشيء مختلف، كأن حبلًا غير مرئي يُعيد ربطها بالحياة
1 = وتَر الصعيد بقلم ياسمينا إمام - الفصل الأول -1 /
كلية الآثار بجامعة القاهرة
النهار بدأ لتوه، وأشعة الشمس الخفيفة تتخلل المباني العتيقة. الأتوبيس الكبير كان متوقفًا أمام بوابة الكلية، وطلاب الرحلة تجمعوا حوله في حالة من النشاط المختلط بالحماسة والترقب. أصوات الحقائب تُسحب على الأرض، وأحاديث الطلاب تتداخل مع ضحكات هنا وهمسات هناك.
داخل الأتوبيس، وقف المشرف في منتصف الممر الضيق، يُمسك بيده قائمة الأسماء، يُلقي نظراته الحازمة على الجميع، كمن يُمسك بزمام الرحلة وحده.
المشرف:
كل الطلاب موجودين كده؟
الطلاب بردود متباينة:
أيوه!
رفع المشرف رأسه بنظرة متفحصة، كأنه يتأكد بنفسه. ثم تابع بنبرة حازمة:
فطرتوا؟
الطلاب تتداخل أصواتهم:
لأه!
أيوه!
لأه!
أيوه!
المشرف بضحكه وبتنهد واضح:
باااااس! أهمدوا... لسه الطريق قدامنا طويل! أنا بقلكوا هو، مش عاوز صداع من دلوقتي.
توقف للحظة، ثم أعاد النظر في وجوههم، وتابع بجدية:
هنقعد أسبوع كامل، طبعًا مش هوصيكم. إحنا نازلين ضيوف عند الناس دي... يعني نحترمهم بكل حالاتهم، حتى عاداتهم وتقاليدهم، حتى لو كانت غريبة. سامعني يا حُنّين، يا اللي بتسبل ورا؟
اجابه بارتباك واخفض عينيه:
حاضر يا عم ابراهيم
على المقاعد الأمامية، كانت "سارة" تُراقب المشهد، ثم التفتت ببرم إلى المشرف:
عمو إبراهيم، إحنا بقالنا ساعة واقفين!
إبراهيم دون أن يتأثر:
لسه نص ساعة لحد ما الدكتور يوسف يخلص إجراءات رحلتكوا.
نهاد تتمتم بسخرية واضحة:
شكلها هتبقى رحلة سودا! هو سيادة المعيد المبجل لسه فاكر يظبط الورق دلوقتي؟
سارة تُخفض صوتها محاولة تهدئتها:
وطي صوتك! لو سمعك، هيرميكي من الباص.
بينما الحوار يجري، صعد الدكتور يوسف إلى الأتوبيس، يتبعه الدكتور فاروق.
شاب في السابعه والعشرين، يتمتع بهيبة خاصة رغم صغر سنه. ملامحه متزنة تجمع بين الجدية والهدوء، وعيناه الداكنتان تنظران بحدة تُخفي وراءها عقلًا نشطًا وشخصية محبوبة. ورغم علاقته الطيبة مع الجميع، فإن قلبه يحمل قصة عشق معقدة، بدأت بنظرة غاضبة، وانتهت برفضٍ جرح كبرياءه ذات يوم.
بينما كان الدكتور فاروق
في منتصف الثلاثين من عمره، يبدو دائم الانشغال، وكأنه كرّس حياته للعلم والعمل. وسيم الطلّة، وطيب القلب، يحظى بمحبة طلاب الكلية واحترامهم، لكنه رغم ذلك، لم يُعر انتباهًا لمسائل الزواج والعلاقات الشخصية، على الرغم من إلحاح والدته المستمر.
يوسف بصوت واثق:
صباح الخير ياشباب.
إحنا خلاص خلصنا كل الورق ، وهنقدر نتحرك دلوقتي وكمان كنت حابب ابلغكم ان دكتور فاروق هيكون معانا في رحلتنا.
بمجرد أن أنهى يوسف جملته، انفجر الطلاب في تصفيق وصفير حماسي، بينما أطلقت الطالبات عبارات الترحيب للدكتور فاروق.
ابتسم الدكتور فاروق بحياء، ورفع يده محييًا الجميع.
يوسف يكمل حديثه:
طبعًا وأكيد، عم إبراهيم نبه عليكم بالتعليمات!
مع نهاية كلام يوسف، بدأ الأتوبيس يتحرك، معلنًا بداية رحلة لن تكون مجرد مغامرة جامعية، بل فصلًا جديدًا في حياة كل من فيها.
تحرك الأتوبيس ببطء خارج بوابة الكلية، لتنطلق الرحلة المنتظرة التي طال التخطيط لها. الهواء بارد قليلًا في هذا الصباح الشتوي، لكنه مُنعش، يعبق بروح الحماس المغلفة بتوقعات الجميع لما ينتظرهم.
أكمل الدكتور يوسف في منتصف الأتوبيس، مستندًا على أحد المقاعد، وألقى بنبرة هادئة تحمل الجدية:
ياشباب ياشباب ! معايا،لو سمحتم ، زي ما أنتوا عارفين... ان المكان اللي كنا هننزل فيه كان فندق ، لكن الموضوع اتغير. كبير المكان اللي رايحينه لما عرف، أصر إننا نقعد عنده في السرايا. يعني هنقعد ضيوف عند ناس غريبة. أظن فاهمين قصدي؟
الطلاب في صوت واحد:
فاهمين يا دكتور!
هز يوسف رأسه بإيجاب قائلاً:
تمام... توكلنا على الله.
بدأ الأتوبيس يتحرك على الطريق السريع، والطلاب ينطلقون في حالة من البهجة. نوافذ الأتوبيس كانت مفتوحة قليلاً، تُدخل هواءً منعشًا يبعثر خصلات الشعر، ويملأ المكان بحيوية. أصوات الأغاني تعالت من مكبر الصوت الصغير الذي حمله أحد الطلاب، وكانت ضحكاتهم تتداخل مع كلمات الأغاني، تضفي جوًا من المرح لا مثيل له.
وسط الأحاديث والضحك، جلست "ندي" بجوار صديقتها "جميله"، تحاول كسر حاجز الكآبة الذي بدا جليًا على ملامحها.
ندي بمرح وهي تدفع قوت بخفة:
جميله، فوقي شوية! متبقيش كئيبة كده! يا ستي طالعين رحلة والله!
جميله ببرود وهي تنظر بعيدًا:
ندي، فكّك مني... علشان تتبسطي.
رغم الكلمات الباردة، لم تستسلم ندي بسهولة، بل تابعت محاولتها لإخراج جميله من شرودها، بينما باقي الطلاب كانوا منشغلين بالأغاني الشعبية التي حولت الأتوبيس إلى حفلة صغيرة متنقلة.