وتَر الصعيد بقلم ياسمينا إمام - مقدمه والفصل الأول حصريه وجديده
على جانب آخر من الأتوبيس، كان الدكتور يوسف يراقب الطلاب بصمت، مستمتعًا برؤيتهم يغرقون في فرحتهم البسيطة. لكن عينيه كانت تتجه من حين لآخر إلى السماء الممتدة أمامهم، وكأنها تحمل له رسالة غير مفهومة. رحلة كهذه، بما تحمله من مغامرات وتحديات، ستكون لها بالتأكيد ذكريات لا تُنسى.
وفي تلك اللحظة، حيث الطريق يمتد بلا نهاية واضحة، شعر الجميع بأن هذه الرحلة ليست مجرد فسحة، بل فرصة لاكتشاف شيء جديد، سواء في المكان الذي يتجهون إليه أو في أنفسهم.
كانت ندي تجلس بجانب جميله، تتأرجح قدماها الصغيرة بخفة بينما نظراتها المليئة بالحيوية تتنقل بين أصدقائها وضجيج الأتوبيس المفعم بالحياة. على العكس تمامًا، كانت جميله تجلس متخشبة في مكانها، يكسو ملامحها الصمت المألوف، ويدها تعبث بملمس حقيبتها على نحو عصبي.
جميلة، تلك الفتاة ذات الأعوام الاثنين والعشرين، دائمًا ما أظهرت نفسها كظل بين الآخرين، تخشى الظهور وتكره المشاركة. لم تكن تعرف إلا ندي، تلك الصديقة التي استطاعت اختراق أسوارها العالية منذ زمن بعيد، وأصبحت الحصن الوحيد الذي تتكئ عليه.
أما ندي، ذات الثلاثة والعشرين عامًا، فكانت نقيض جميلة تمامًا. فتاة جريئة وصاحبة شخصية قوية، تنضح بالثقة والإيجابية. عاشت عامًا من التأخر الدراسي بعد أن اضطرت إلى التحويل بين الكليات، لكنها لم تدع هذه العثرة تؤثر على حماسها للحياة. علاقتها بجميله كانت أشبه بصداقة نادرة، تحميها بحرص شديد، وكأنها أمانة تخشى عليها من التلف.
شعرت ندي بضيق صمت جميلة المستمر، فشبكت ذراعها بذراعها قائلة بنبرة مازحة:
يا بنتي، حد يبقى رايح سوهاج ومكلضم كده؟ وبعدين بقى، بصراحة دكتور يوسف عينه عليكي طول الطريق... وشكلها هتبقى رحلة عسل يا عسل!
نظرت إليها جميلة بنظرة منزعجة وهي تشيح بوجهها بعيدًا:
اتلمي! بلا يوسف بلا زفت. هو السبب أصلاً في طلوعي الرحلة دي، وانتي عارفة كويس إني مكنتش عاوزة أطلع.
لم تستسلم ندي لهذا الرد البارد، بل تابعت كلامها بابتسامة مليئة بالمكر، تحاول بها كسر جدار الغضب الذي يحيط بجميلة
لتقاطعها جميلة وتردف :
ندي الرحله دي كانت ترفيهيه . منين بقي طلعولنا بحث التخرج ده ! لا وكمان عملو حصر للطلبه اللي هيعملو البحث في سوهاج وجالهم أمر انهم يطلعو الرحله الزامي واسمي طلع من ضمنهم سبحان الله
حاولت ندي كبح ضحكتها، لكنها لم تستطع مقاومة إضافة تعليق ساخر وهي تنظر لجميلة بنظرة ذات مغزى:
يا ساتر عليكي... دا كله علشان الراجل عاوز يبسطك شوية ويبقي قريب منك ، ما اللعبه مفهومه اهي .وملهاش تفسير غير انه بيحبك.
اشتعل وجه جميلة بالغضب، فردت بنبرة قاطعة وهي تشير بيدها:
يحبني إيه يا ندي؟! انتي مش بتشوفي معاملته؟ قدام الناس حاجة، ومن وراهم حاجة تانية خالص!
هزت ندي رأسها، وقد بدأت ملامح نفاد الصبر تظهر على وجهها:
معاملته دي رد فعل لفعلِك، انتي اللي مش بتشوفي نفسك بتعامليه إزاي قدام الدفعه ! اقل حاجه لازم تفتكريها انه دكتورك في الجامعه ومصدرش منه اي حاجه غلط ، يبقي لازم تحترميه! غير كده، هو راجل يا يا جميلة، ومش هيقبل إنك تهينيه. وبعدين كل ده ليه؟ علشان طلب إيدك بالحلال وعلى سنة الله ورسوله! اومال لو طلبك عرفي
حدقت جميلة في ندي لحظات قبل أن تردف ببطء وبنبرة مشحونة بالسخرية:
بس انتي بتحبيه، ولا ناسية؟
ارتبكت ندي للحظة وهي تحاول تدارك الكلمات، ثم قالت بصوت خافت يفيض بالمشاعر المكبوتة:
يا باي عليكِ، لسه فاكرة؟ يا ستي كنت معجبة بيه عادي زي باقي الطلاب... بس هو اختارك انتي ، وافقي بقى. أنا عاوزة أشوفك مبسوطة، بجد قربت أزهق منك ومن عقدتك دي.
أغمضت جميلة عينيها للحظة وكأنها تحاول استيعاب ما قيل. أما ندي، فقد نظرت إليها بخليط من الإحباط والحب، تحاول أن تجد الطريقة المناسبة لكسر هذا الجدار الذي بنتْه جميلة حول قلبها.
" صح، عقدتي أنا..."
قالتها بصوت هامس، ثم نظرت من نافذة الأتوبيس، تاركة المحادثة خلفها. انطلقت نظراتها إلى الأفق الممتد وكأنها تبحث عن مخرج من شباك الذكريات الذي حاصرها فجأة. شردت جميلة، وعادت بذاكرتها إلى أحداث ماضٍ مؤلم لم يغب يومًا عن خاطرها، تتلاطم فيه مشاعر الندم والخوف والخذلان.
خارج الأتوبيس، كان صوت المحرك يتردد في فضاء الطريق الطويل، وداخلها كانت وجوه الطلاب تتنقل بين حماس السفر وخفة المزاح، لكن جميلة ظلت غارقة في صمتها، عيناها تلمعان بغصة لا يراها أحد، إلا ندي التي أدركت أن الحديث انتهى.
يا غفير! انت يا غفير الزفت!
صاح الصوت العالي، قاطعًا سكون المزرعة وأصداء الجبال المحيطة. كان ذلك صوت "عمر"، كبير النجع الجديد، بنبرته الحادة التي تحمل مزيجًا من السلطة والتوتر.
الغفير، الذي كان يجلس تحت شجرة عجوز، نهض بسرعة ورفع رأسه باحترام:
إيوه، إيوه يا عمر بيه.
تقدم عمر بخطوات واثقة، ترتسم على وجهه ملامح جادة، عاكسةً شراسة التجارب التي مرت عليه. قال بصوت صارم:
كل حاچة تمام؟
رد الغفير بخضوع واضح:
كله تمام يا بيه، زي ما حضرتك أمرت.
أشار عمر بيده بحركة حاسمة وأضاف:
طيب، روح دلوقت خبر أهل النچع. قلهم يعاملوا الضيوف زين، معاوزش حد يقصر معاهماو يضايقهم. فاهم؟
أومأ الغفير سريعًا:
حاضر، حاضر يا بيه.
عمر الابنودي
رجل يبلغ الثلاثين من عمره، كانت ملامحه تمزج بين القوة التي صقلتها الأيام والحنين الذي ورثه عن والده. هو ضابط سابق، تخلى عن حياته العسكرية تنفيذًا لوصية والده الذي أمره أن يتولى زعامة النجع من بعده، ليصبح المسؤول الأول عن شئون أهله وبلدته.
كان عمر يدرك تمامًا حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، لكنه لم يكن يخشى التحدي. في عينيه اشتعلت شرارة القيادة، وفي قلبه تضاربت المشاعر بين الإخلاص لوصية والده والرغبة في العودة لحياته السابقة.
دخل إلى السرايا بخطوات ثابتة ونظرات متفحصة، تتبعها أصداء صوته الرجولي الذي يحمل هيبة القائد ومسؤولية الزعيم الجديد. السرايا كانت تعج بالحركة، الخدم يهرعون لتجهيز المكان، وصوت زينة، أخته الصغرى، يعلو وهي تعطي التعليمات بلهجة صارمة لكن مليئة بالحرص.
صاح عمر بصوته الجهوري:
زينة!
التفتت زينة بسرعة، ومسحت يدها بمريولها لتزيل آثار العمل، قبل أن ترد:
إيوه إيوه يا خوي، أني هنا.
تقدم عمر نحوها بملامح لا تعرف الهزل، وقال بنبرة تحمل حزمًا:
كل حاچة جاهزة؟ معوّزش حاچه تكون ناقصه يا زينة.
ردت زينة بثقة وهي تشير بيديها لتوضيح ما أنجزته:
متخافش يا خوي، كله تمام. النساوين خلصوا ترتيب البيت، والسفرة چاهزة.
صمت للحظة، ثم سأل بنبرة منخفضة لكن بنظرة حادة:
ويونس؟ فين أُمال؟
ردت زينة بصوتها المتردد وهي تحاول تهدئة حدة أخيها:
هاااة، تلاقيه بيلعب مع العيال بره، متقلقش عليه.
لكن عمر اشتعل غضبًا، وعلت نبرته بحدة لم تخفها سنوات الزعامة التي توارثها:
چنيتِي يا زينة؟! خبرتك قبل كده إن الواد مش صغير! ده راچل وهيبقى كبير العائلة دي من بعدي. چرى لنفوخك أيه يا مرة؟
لم ينتظر إجابة منها، واندفع خارج السرايا بخطوات سريعة أشبه بالبرق، غضبه يتصاعد كأن النار تشتعل في صدره. زينة، التي شعرت بثقل المسؤولية، رفعت يدها تضرب صدغها كمن يلوم نفسها، وهمست بقلق:
يارب سلم.
على الجانب الآخر، كان عمر يصرخ بصوته الرجولي الذي جاب أنحاء الجنينة كالرعد:
يونس! واد يا يونس!
لم يتأخر الرد، فجاء صوت يونس من بعيد، متقطعًا ومهرولًا نحو خاله:
إيوه، إيوه يا خال، أني هنا!
التفت عمر بسرعة، وعينيه تقدحان شررًا، ليواجه يونس، الذي بدا عليه الخوف وهو يحاول التقاط أنفاسه. اقترب منه عمر بخطوات غاضبة وسأله بنبرة صارمة:
كنت فين؟
تلعثم يونس، محاولًا إخفاء ارتباكه بينما خفض رأسه قليلاً:
كنت... بلعب مع صحابي.
نظرات عمر كانت كافية لجعل أي شخص يعيد حساباته، لكنه لم يرد سوى تثبيت يونس على مساره الذي رسمه له منذ الصغر. حدق فيه للحظات طويلة دون أن ينبس بكلمة، بينما يونس خفض رأسه أكثر، محاولًا الهروب من شدة نظراته. الصمت الذي خيم بينهما لم يكن عاديًا، بل كان صمتًا يسبق العاصفة.
صعبان عليا
مرحبا بكم في وتر الصعيد "عمر"