جوزي كان يرفض يجيب لابنه علاج بحجة الغلاء

لمحة نيوز

الحقيقة، قلت بهدوء جاوب.
بدأ يتوتر الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
قلت يعني التوقيع مش مزور؟
سكت ثواني طويلة وبعدين قال كنت مضطر.
ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة مضطر تزور توقيعي؟
قال كنت بحاول أحل مشكلة.
قلت على حساب مين؟
ما ردش، لكن الصمت كان كفاية. في اللحظة دي عرفت إن اللي مخبيه أكبر بكتير من مجرد رحلة مصيف أو فلوس علاج، وعرفت إن الأيام الجاية هتكشف أسرار عمرها ما كانت تخطر على بالي.
فضلت باصة لأحمد بعد اعترافه ب كنت مضطر. الجملة دي كانت كفيلة إنها تولع كل حاجة بينا. مضطر؟ مضطر تزور توقيعي؟ مضطر تخبي فلوس عن ابنك؟ مضطر تسيبه مريض عشان تسافر مع أصحابك؟ قمت من مكاني وأنا حاسة إني مش قادرة أتنفس وقلت أنا عايزة الحقيقة كلها.
أحمد مرر إيده على وشه بتوتر مش هتفهمي.
قلت جرب.
سكت شوية وبعدين قال حسام كان هيخش السجن.
اتسعت عيني إيه؟
قال كان عليه ديون كبيرة.
قلت وده يبرر اللي عملته؟
رفع صوته فجأة ده أخويا!
قلت بحدة وكريم ابنك!
الصمت نزل بينا للحظات، لكن المرة دي أحمد هو اللي بعد بنظره، كأنه عارف إنه خسر أي حجة ممكن يدافع بيها عن نفسه. بدأ يحكي قبل حوالي سنة ونص، حسام دخل مشروع استيراد مع شوية ناس، المشروع فشل وخسر مبالغ ضخمة، وبدل ما يواجه المشكلة بدأ يستلف من شخص لشخص لحد ما الديون بقت أكبر من قدرته على السداد. في البداية أحمد ساعده بمبلغ بسيط، بعدها مبلغ أكبر، بعدها أكبر، كل مرة كان حسام يقسم إنها آخر مرة، لكن آخر مرة ما كانتش بتيجي أبدًا.
قلت يعني كل الفلوس اللي كنت بتقول إنها مصاريف بيت كانت بتروح له؟
سكت، وده كان اعتراف. حسيت بوجع في قلبي، مش عشان الفلوس نفسها، لكن عشان الكذب. سنة كاملة وأنا بضغط على نفسي، وأوفر، وأستغنى، وأحسب الجنيه، عشان كنت مصدقة إن ظروفنا صعبة، وفي الحقيقة الفلوس كانت موجودة لكن رايحة في مكان تاني.
قلت والتوكيل؟
هنا توتر أكتر وقال حسام كان محتاج ضمان.
قلت ضمان إيه؟
قال الأرض الأرض اللي والده سايبها.
الأرض اللي كانت المفروض تبقى حق لكل الورثة، اكتشفت إن أحمد استخدم التوكيل المزور عشان يخلص إجراءات تخص جزء من الأرض بدون علمي وبدون موافقتي.
قلت لو كنت اتكشفت؟
رد بصوت منخفض ما كنتش هتتكشف.
الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة، لأن معناها إنه ما كانش ندمان، كان بس متضايق إنه اتكشف.
في الأيام اللي بعد كده بدأت أجمع معلومات أكتر، مش عشان أعمل مشكلة، لكن عشان أفهم حجم الكارثة. كل يوم كنت أكتشف حاجة جديدة؛ فاتورة، تحويل، مبلغ، مصاريف، كلها كانت بتقول نفس الحقيقة أحمد كان بيعيش حياتين؛ حياة قدامي، وحياة تانية مستخبية. قدامي الزوج المرهق اللي بيشتكي من الغلاء، وفي الخفاء الشخص اللي بيدفع آلاف الجنيهات عشان ينقذ أخوه من أزمة وراء أزمة، لدرجة إنه نسي بيته، ونسي ابنه، ونسي نفسه.
بعد أسبوع تقريبًا، جالي اتصال تاني من الأستاذ فؤاد قال في حاجة لازم تعرفيها.
قلبي انقبض خير؟
قال أنا راجعت أوراق قديمة ودي أول مرة أشوفها.
قلت أوراق إيه؟
قال تأمين.
ما فهمتش وسألته يعني إيه؟
قال أحمد عنده وثيقة تأمين كبيرة جدًا.
استغربت وإيه المشكلة؟
رد المشكلة في المستفيد.
قلت مين؟
قال الاسم، وحسيت إن الدنيا لفت بيا المستفيد الوحيد ما كانش كريم، ولا أنا، كان حسام!
قعدت ثواني مش قادرة أتكلم، قلت أكيد في غلطة.
قال راجعتها أكتر من مرة.
قفلت المكالمة وأنا مصدومة. لما أحمد رجع بالليل واجهته؛ في الأول أنكر، لكن لما وريته نسخة من المستند عرف إن مفيش فايدة. قلت إزاي أخوك يبقى المستفيد الوحيد؟
قال وقت ما عملت الوثيقة كان محتاج دعم.
ضحكت من شدة الصدمة دعم؟!
قال أنا كنت بفكر أغيرها بعدين.
قلت بعدين إمتى؟
ما ردش، قلت ابنك مالوش أي حق؟ فضل ساكت. وأنا لأول مرة أشوف الحقيقة كاملة؛ أحمد ما كانش بيحب حسام حب طبيعي بين إخوات، كان متعلق بيه بطريقة مرضية، كل قرار في حياته بقى بيدور حوالين أخوه حتى لو الثمن أسرته كلها.
بدأت المسافة تكبر بينا، بقينا غرباء في نفس البيت؛ هو في أوضة وأنا في أوضة، الكلام بقى قليل والثقة اختفت تمامًا. أما كريم فكان بيتحسن الحمد لله، لكن في كل مرة يبص لأبوه ويجري عليه كان قلبي يوجعني لأنه ما يعرفش الحقيقة، ما يعرفش إن أبوه رفض يجيب له العلاج، ولا يعرف إنه كان مستعد يضحي بحاجات كتير عشانه.
بعد أسبوعين، حصلت حاجة غير متوقعة؛ في منتصف الليل تقريبًا سمعنا خبط عنيف على الباب، فتحت وأنا متوترة لقيت حسام، لكن شكله كان مرعب؛ هدومه مبهدلة ووشه شاحب وعينه مليانة خوف، دخل بسرعة وقال أحمد فين؟
خرج أحمد من الأوضة وأول ما شافه قال إيه اللي حصل؟
رد حسام بصوت مرتعش احنا وقعنا.
قال يعني إيه؟
قال الناس اللي ليا عندها فلوس عرفت مكاني.
اتجمد أحمد، أما أنا فبدأت أفهم؛ واضح إن الديون ما خلصتش، واضح إن كل اللي اتدفع ما كانش كفاية، واضح إن الحفرة كانت أعمق بكتير مما تخيلنا.
في الليلة دي سمعت الحوار كله، واكتشفت إن حسام مخبي مصيبة أكبر؛ مشروعه القديم ما كانش سبب الديون كلها، كان فيه استثمارات جديدة فاشلة، وفيه شيكات وفيه التزامات ضخمة، بمعنى أوضح كل الفلوس اللي أحمد دفعها راحت تقريبًا على الفاضي.
قال حسام وهو شبه منهار أنا خلاص.
رد أحمد هنتصرف.
لكن لأول مرة قاطعته وقلت لا.
بصوا الاتنين ناحيتي وأكملت إنت هتتصرف لوحدك.
حسام قال بعصبية إنتِ مالك؟
بصيتله مباشرة وقلت أنا الست اللي ابني اتحرم من علاجه بسببك. سكت، وأول مرة ما لقىش رد.
بعد ما خرج حسام، قعد أحمد ساكت وقت طويل وبعدين قال مش هسيبه.
قلت وأنا مش هسيب ابني. بصلي، وأعتقد إنه لأول مرة فهم إن الموضوع وصل لنقطة صعب الرجوع منها. لكن اللي ما كناش نعرفه وقتها إن الأزمة الحقيقية لسه ما بدأتش، لأن بعد أقل من 48 ساعة، وصل خطاب رسمي للبيت كشف سر أخطر من كل اللي عرفناه، سر ممكن يهدد الأرض، والبيت، وكل حاجة كنا فاكرين إنها لسه متبقية.
فضل الخطاب على الترابيزة قدامي دقائق طويلة قبل ما أفتحه، كان خطاب رسمي عليه أختام واسم جهة قانونية، قلبي كان بيدق بسرعة وأحمد واقف قدامي متوتر بشكل واضح. أول ما فتحت الظرف وبدأت أقرأ، حسيت إن ملامحي اتغيرت، قال بسرعة فيه إيه؟
ما رديتش، كملت قراءة وبعدين رفعت عيني ناحيته وقلت في دعوى مرفوعة.
وشه شحب دعوى إيه؟
ناولته الورق بدأ يقرأ، ومع كل سطر كان لونه بيتغير أكتر. الخطاب كان بخصوص قطعة الأرض، لكن مش من حد غريب، كان من واحد من الورثة، ابن عم أحمد. الراجل اكتشف وجود إجراءات قانونية اتعملت على جزء من الأرض وشك إن فيها مخالفات، فقرر يراجع الأوراق كلها وهناك بدأت المشاكل تظهر.
الموضوع ما وقفش عند كده، بعد أيام قليلة بدأ التحقيق في المستندات ومن ضمنها التوكيل اللي باسمي التوكيل المزور. ساعتها أحمد بدأ يفهم إنه مش قدام مشكلة بسيطة، الموضوع بقى رسمي وأي تزوير يثبت
تم نسخ الرابط