جوزي كان يرفض يجيب لابنه علاج بحجة الغلاء
ممكن يجر مشاكل كبيرة، لأول مرة شفته فعلاً مرعوب، مش متوتر، مش قلقان مرعوب. لكن الغريب إني ما حسيتش بأي شماتة، كنت مرهقة بس، مرهقة من الكذب ومن الأسرار ومن سنة كاملة عشتها على معلومات كلها تقريبًا كانت غلط.
في الفترة دي بدأت أركز أكتر مع كريم، ابني كان محتاجني وأنا كنت محتاجة أفكر بعيد عن الفوضى، رجعت أشتغل ساعات إضافية من البيت وبدأت أحوش أي مبلغ أقدر عليه، لأول مرة من سنين حسيت إني لازم أبني أمان خاص بيا، مش اعتمادًا على حد لكن اعتمادًا على نفسي. وأختي كانت سند كبير، كل يوم تقريبًا تطمن عليا وتساعدني في أي حاجة تخص كريم، وقالتلي مرة أنتِ من زمان شايلة البيت أكتر مما تستحملي، وقتها ما عرفتش أرد لأنها كانت عندها حق.
أما أحمد فبدأ يعيش ضغط من نوع تاني؛ مكالمات، اجتماعات، محامين، مشاكل مع حسام، وكل يوم كان يرجع البيت منهك. وفي مرة لقيته قاعد لوحده في الصالة، وشه متعب جدًا قال أنا غلطت. كانت أول مرة يقولها بصراحة، بصيتله من غير كلام، قال كنت فاكر إني بحمي أخويا، سكت شوية ثم أكمل لكن أنا ضيعت كل حاجة. للحظة حسيت إنه أخيرًا بدأ يشوف الحقيقة، لكن الحقيقة أحيانًا بتيجي متأخرة.
بعد أسبوع تقريبًا حصلت مفاجأة جديدة، الأستاذ فؤاد اتصل بيا لكن المرة دي صوته كان مختلف، فيه راحة وفيه شيء من الارتياح قال في خبر مهم.
سألته خير؟
قال في مراجعة للحسابات الأخيرة.
استغربت وبعدين؟
قال اكتشفت حاجة تخص والد أحمد الله يرحمه.
ما فهمتش، فكمل كان فيه حساب قديم ما حدش انتبه له.
اتسعت عيني حساب إيه؟
قال وديعة.
المبلغ ما كانش خرافي ولا كان هيخلي حد مليونير، لكن كان مبلغ محترم جدًا، المهم إنه كان قانوني وواضح ومثبت، والأهم من ده كله كان من حق الورثة كلهم بالتساوي.
لما الخبر وصل لأحمد، قعد ساكت فترة طويلة ثم قال أبويا كان سايب لنا فرصة نبدأ من جديد، وبعدين ضحك ضحكة حزينة وأنا كنت بضيع كل حاجة بإيدي. لكن المفاجأة الأكبر كانت رد فعل حسام؛ أول ما عرف بموضوع الوديعة طلب يقابلنا، أنا ما كنتش عايزة لكن أحمد أصر. اتقابلنا في بيت والدته، أول ما دخل حسام حسيت إنه متغير أوي، وشه مرهق والثقة الزايدة اللي كانت فيه اختفت. قعد بصمت شوية وبعدين قال أنا السبب، ما حدش رد، فكمل كل اللي حصل كان بسببي، كانت أول مرة أسمعه يعترف، قال كل مرة أحمد كان يساعدني كنت أوعده إنها الأخيرة، وسكت ثم قال لكن عمري ما وقفت.
بدأ يحكي عن الأخطاء اللي عملها وعن القرارات الغلط وعن محاولاته إنه يظهر ناجح قدام الناس لحد ما غرق في مشاكل أكبر منه، وفي النهاية قال حاجة ما توقعتهاش قال أنا هبيع نصيبي.
بصله أحمد باستغراب ليه؟
قال عشان أسدد اللي عليا بنفسي، ثم بص ناحيتي وأضاف ومن غير ما حد يدفع التمن مكاني تاني.
بعد المقابلة دي بأيام، بدأت الأمور تهدى تدريجيًا، المشاكل القانونية خدت مسارها والمحامين اشتغلوا على تصحيح الأوراق، والتوكيل المزور اتلغي رسميًا، وتم إثبات إني ما كنتش طرف في أي حاجة حصلت، وده كان مهم جدًا بالنسبة لي لأني ما كنتش عايزة أعيش طول عمري وأنا خايفة من خطأ ما عملتوش. لكن علاقتي بأحمد؟ دي كانت قصة تانية، الثقة لما بتتكسر مش بترجع بسهولة حتى لو الشخص ندم، حتى لو اعتذر، في كل مرة كنت أبص له كنت أتذكر كريم وهو مريض، وأتذكر الرحلة، والصور، والكذبة، وأتذكر الجملة اللي جرحتني أكتر من أي حاجة ألغي حياتي كلها عشان شوية دوا؟ الجملة دي ما كانتش مجرد كلام، كانت مرآة لحقيقة كان مخبيها جواه.
وفي ليلة هادئة، بعد شهور من بداية الأزمة، كان كريم نايم والبيت ساكت، قعد أحمد قدامي وقال أنا عارف إن الاعتذار مش كفاية، ما رديتش فكمل وعارف إنك مش هتثقي فيا بسهولة، ثم مد ناحيتي ملف صغير، فتحته لقيت فيه مستندات؛ كل الحسابات، وكل الممتلكات، وكل الأوراق مرتبة وواضحة، قال من النهارده مفيش أسرار، بصيتله فقال ولو قررتي تمشي هفهم. كانت أول مرة يحطني قدام اختياري من غير ضغط، من غير تلاعب، ومن غير أعذار، ولأول مرة من سنين شفت قدامي إنسان بدأ يتحمل نتيجة أفعاله فعلًا. لكن القرار النهائي كان لسه محتاج وقت وقت طويل.
فضل الملف قدامي أيام، كل شوية أفتحه أراجع ورقة وأقفل وأرجع أفتحه تاني، مش عشان الفلوس ولا عشان الممتلكات، لكن عشان كنت بحاول أفهم إذا كان الإنسان اللي قدامي اتغير فعلًا ولا مجرد خايف من نتيجة أخطائه. في الفترة دي أحمد التزم بالصمت، ما حاولش يضغط عليّ، ما طلبش أسامحه، ما قالش إنه يستحق فرصة جديدة، كان بس بيعمل اللي عليه ويرجع البيت ويقضي وقت مع كريم ويساعد في مصاريف البيت من غير ما أطلب، حاجات بسيطة لكنها كانت مختلفة عن أي وقت فات.
أما كريم فبدأ يرجع لطبيعته بالتدريج، رجع يضحك ويرسم ويلعب، وفي يوم كنت قاعدة جنبه وهو بيرسم فسألني فجأة ماما؟
قلت نعم يا حبيبي؟
قال هو بابا زعلان مني؟
حسيت بغصة في قلبي وقلت بسرعة طبعًا لا.
قال أصل بقى يقعد يبصلي كتير.
ابتسمت رغم حزني، واضح إن أحمد كان بيحاول يعوض إحساب الذنب اللي جواه، لكن الأطفال بيلحظوا كل حاجة بطريقتهم الخاصة. حضنت كريم وقلت بابا بيحبك جدًا، ولأول مرة من شهور كنت أتمنى إن الجملة دي تبقى صحيحة بالكامل.
مرت أسابيع وبعدين شهور والمشاكل القانونية بدأت تقفل واحدة واحدة؛ تم تصحيح وضع الأرض واتقسمت الحقوق بشكل رسمي وكل شخص أخذ نصيبه القانوني. أما حسام فكان أكتر شخص اتغير، يمكن لأنه أخيرًا وصل للقاع وشاف نتيجة كل اختياراته؛ باع جزء كبير من ممتلكاته البسيطة وسدد جزء كبير من ديونه واشتغل في وظيفة ثابتة لأول مرة من سنين، ولما كان أحمد يحاول يساعده كان يرفض ويقول كفاية اللي دفعته عشاني، الجملة دي كانت غريبة على الكل لكنها كانت بداية جديدة له.
في يوم من الأيام، كنت راجعة من الشغل ولقيت أحمد مستنيني في البلكونة معاه كوبين شاي، مشهد بسيط جدًا لكن رجعني لأيام زمان قبل ما المشاكل تاكل كل حاجة. ناولني كوب وقعدنا ساكتين لحد ما قال فاكرة أول سنة جواز؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة فاكرة.
قال وقت ما كنت فاكر إني أعرف أوازن بين كل الناس، ثم ضحك بحزن طلع الموضوع أصعب بكتير.
قلت المشكلة ما كانتش إنك بتحب أخوك، بصلي فكملت المشكلة إنك نسيت أسرتك.
نزل رأسه وقال عالي، وكان واضح إنه فعلًا عارف.
بعدها بأيام قليلة حصل موقف بسيط لكنه أثر فيا جدًا؛ كريم صحي بالليل وهو تعبان شوية، مجرد دور برد عادي، لكن قبل ما أتحرك لقيت أحمد هو اللي قام، لبسه وخده ونزل بيه للطبيب المناوب، ورجع بعد ساعة تقريبًا شايل كيس العلاج، وأول ما دخل حط الدوا على الترابيزة وبص ناحيتي من غير
كلام، لكن الرسالة كانت واضحة هو فاكر، وفاكر كويس، وفاكر الغلطة اللي عمره ما هينسها.
في الشهور اللي بعدها بدأنا نحاول نصلح اللي اتكسر، مش بسهولة ومش بسرعة، في أيام كانت كويسة وفي أيام كنا بنشتبك فيها على تفاصيل صغيرة لأن الجرح القديم لسه موجود، لكن الفرق إن المرة دي مفيش كذب، مفيش أسرار، مفيش حسابات مستخبية، كل حاجة بقت واضحة وأي قرار كبير لازم نتكلم فيه سوا.
وفي ذكرى عيد ميلاد كريم، قررنا نعمل احتفال صغير في البيت، مش حفلة كبيرة ولا حاجة مكلفة، مجرد أهل وأقارب مقربين وكعكة وشوية زينة وأطفال بيلعبوا وأصوات ضحك مالية المكان. كنت واقفة في المطبخ وقتها وبصيت من بعيد، لقيت أحمد قاعد على الأرض بيلعب مع كريم وابني بيضحك من قلبه ضحكة صافية، من النوع اللي يخليك تنسى تعب شهور، ساعتها فقط حسيت إن الحياة بدأت ترجع لطبيعتها.
بعد انتهاء الحفلة خرجت البلكونة آخد شوية هوا ولقيت أمي واقفة هناك، بصتلي وقالت مبسوطة؟
سكت شوية وبعدين قلت مرهقة.
ضحكت وقالت ده طبيعي، بس إنتِ أقوى مما تتخيلي. افتكرت كل اللي حصل؛ ليالي القلق، مرض كريم، الكذب، الأوراق، المحامين، الخوف، الشك، كل حاجة مرت قدام عيني في لحظة واحدة واكتشفت إني فعلًا عديت بحاجات كتير.
بعد سنة تقريبًا من بداية الأزمة، كنا قاعدين أنا وأحمد في نفس المكان اللي حصل فيه أول خناق بسبب العلاج، المشهد كان شبه نفسه لكن إحساسنا مختلف تمامًا. قال فجأة عارفة أكتر حاجة ندمت عليها؟
قلت إيه؟
قال إني خليتك تشكي في نفسك، كل مرة كنت أكذب فيها كنت بخليكي تفتكري إنك بتبالغي أو إنك فاهمة غلط، سكت ثم قال وده أسوأ من أي فلوس ضاعت.
بصيت له طويلًا لأن لأول مرة حسيت إنه فهم الضرر الحقيقي؛ الضرر ما كانش في المال، كان في الثقة وفي الأمان وفي الإحساس إن الأسرة أهم من أي شيء.
في الليلة دي، بعد ما نام كريم، قعدت لوحدي أفكر في كل اللي حصل واكتشفت حاجة مهمة إن الأزمة ما بدأتش يوم ما أحمد رفض يجيب العلاج، ولا يوم ما سافر الساحل، ولا يوم ما اكتشفت التوكيل الأزمة بدأت من أول مرة اختار يخبّي الحقيقة، وأول مرة أقنع نفسه إن الكذبة الصغيرة عادية، لأن الكذب نادرًا ما يفضل صغير، كل كذبة بتجيب اللي بعدها لحد ما الحياة كلها تبقى مبنية على أوهام.
أما النهاية الحقيقية للقصة فما كانتش في المحكمة ولا في الورق ولا في الفلوس، كانت في درس اتعلمناه كلنا؛ أحمد اتعلم إن مساعدة الآخرين لا تعني التضحية بأسرته، وحسام اتعلم إن الهروب من الأخطاء بيكبرها، وأنا اتعلمت إن السكوت الطويل عن التصرفات الغلط مش بيحلها. أما كريم، فكبر وسط كل ده وهو محاط بحب حقيقي من الناس اللي اختارت تتحمل مسئوليتها تجاهه.
وفي يوم من الأيام، لما يبقى كبير ويسأل عن أصعب فترة مرت على عيلتنا، يمكن ما نحكيش له كل التفاصيل، لكن أكيد هنقوله حقيقة واحدة إن البيت ما بيتحافظش عليه بالفلوس، ولا بالمظاهر، ولا بالكلام البيت بيتحافظ عليه لما كل شخص فيه يعرف إن راحة أهله وصحتهم وكرامتهم أهم من أي شيء تاني.
تمت القصة
لقراءه قصص وروايات كاملة على صفحتنا تابعونا