زهره في جوف العتمه الحلقه_الثانيه بقلم نور محمد حصريه وجديده

لمحة نيوز

زهره في جوف العتمه الحلقه_الثانيه بقلم نور محمد حصريه وجديده 
إبعدي عن النار! إيدك هتحرقك يا مجنونة!
آآآآه!
سيبيه.. سيبيه ده بيحرق! يا رب سترك، اهدي بقى أبوس إيدك!
قام أيوب مفزوع من نومته المتقطعة على الكرسي الخشب، عينيه بتوسع برعب وهو بيستوعب المشهد اللي قدامه.
خيوط الفجر الأولى كانت يادوب بتبدأ تشق طريقها من شقوق شباك الكوخ، بس النور الحقيقي كان جاي من شعلة البوتاجاز الصغير اللي كان شغال.
فتنة كانت واقفة قدام النار، مبهورة بيها زي حشرة طايرة ناحية اللمبة. عينيها الخضرا كانت بتلمع بانبهار غريب، وإيدها كانت بتتمد ببطء شديد ناحية اللهب الأزرق، كأنها بتطول نجمة من السما.
أيوب نط من مكانه زي الملسوع، وقبل ما صوابعها تلمس النار، كان ماسك معصمها وشاددها لورا بقوة. البنت صرخت صرخة رعب، صرخة خوف كأنها اتعرضت لهجوم مباغت. انتفضت بكل قوتها، وبدأت تضرب فيه بإيديها ورجليها وهي بتطلع أصوات غير مفهومة من حنجرتها، أصوات كلها رعب وتهديد في نفس الوقت.
زقته بعيد عنها، وجريت تستخبى تحت السرير، اتكورت على نفسها في أضيق زاوية، وبدأت تترعش بعنف، وعينيها متثبتة عليه في الضلمة بتراقبه بخوف.
أيوب وقف ينهج، مسح وشه بإيديه الاتنين وهو بيستغفر ربه. قلبه كان بيدق بسرعة من الخضة، مش عليها بس، ده على كمية الجهل والضياع اللي هي عايشة فيهم.
إزاي إنسانة متعرفش إن النار بتحرق؟ طفلة عندها 19 سنة عقلها واقف عند لحظة ما اتخطفت، أو يمكن أقل. قفل عينيه وحاول يهدي نفسه، هو عارف إن الانفعال معاها مش هيجيب نتيجة، البنت دي عاشت عمرها كله بتنضرب وتتهان، أي حركة سريعة أو صوت عالي بيترجم في عقلها المكسور ل خطر.
نزل أيوب على ركبه ببطء شديد، ونام على بطنه على الأرض عشان يكون في نفس مستوى نظرها تحت السرير. ملامحها كانت مرعوبة، بتحاول تكتم صوت أنفاسها السريعة.
أنا آسف.. حقك عليا، مقصدش أخوفك. همس أيوب بصوت دافي وحنون جداً، صوت بيحاول يطمن بيه عصفور مرعوب. النار دي بتوجع.. بتعمل واوا.. أنا كنت خايف تتلسعي.
شاور على البوتاجاز، وبعدين عمل حركة بإيده كأنها اتلسعت ونفخ فيها. البنت كانت بتبص لحركاته بتركيز، رعشتها قلت شوية، بس لسه رافضة تطلع.
أيوب مأجبرهاش، سابها على راحتها وقام بهدوء. عارف إن الثقة دي بتتبني طوبة طوبة، وأي استعجال هيهد اللي بناه.
بدأ أيوب يجهز الفطار. ريحة الشاي المغلي، والعيش السخن اللي حطه على صاج البوتاجاز بدأت تملى المكان.
كان بيتحرك بهدوء متعمد، بيعمل كل حاجة ببطء عشان متتخضش من حركته. عينه كانت بتسرق نظرات لتحت السرير، ولاحظ إنها بدأت تتحرك وتشم الريحة، الجوع كان أقوى من الخوف.
جاب صينية صغيرة، حط عليها كوباية الشاي، وحتة جبنة بيضا، ورغيف عيش، ونزل حطهم على الأرض قريب من السرير، ورجع قعد على كرسيه بعيد، ومسك مصحفه الصغير وبدأ يقرأ قرآن بصوت واطي ومسموع.
اختار آيات فيها سكينة ورحمة، صوته كان عامل زي الماية الباردة اللي بتنزل على نار قايدة.
بعد دقايق، طلعت إيد صغيرة ومتربة من تحت السرير، سحبت رغيف العيش بسرعة البرق ورجعت تاني.
أيوب ابتسم في سره ومبصلهاش عشان متتكسفش أو تخاف. شوية وطلعت راسها، بصتله وهو بيقرأ، وبعدين سحبت حتة الجبنة. المرة دي مأكلتش بهمجة زي امبارح، كانت بتاكل بحذر.
لما الشمس طلعت ونورت المكان البسيط، حصلت حاجة وقفت قلب أيوب من جمالها ووجعها في نفس الوقت. شعاع شمس قوي دخل من الشباك، ورسم مربع نور على الأرض. فتنة طلعت من تحت السرير زحف، وقربت من النور.
كانت بتبص لذرات التراب اللي طايرة في شعاع الشمس كأنها سحر. رفعت إيدها ببطء، وحاولت تمسك النور. ضحكت.. لأول مرة أيوب يسمع منها صوت غير الأنين والصرخات. ضحكة صافية، بريئة، طفولية جداً، كأنها بتكتشف الدنيا لأول مرة.
جمالها في لحظة الضحكة دي كان كفيل يخلي أي راجل ينسى اسمه. النور ضرب في عينيها الخضرا فخلاها زي لون أوراق الشجر المغسولة بالندى، وشعرها الأسود المنكوش كان بيديها طابع غجري ساحر رغم التراب اللي فيه.
أيوب حس برهبة في قلبه، غض بصره بسرعة واستغفر. الشابة دي أمانة في رقبته، وهو راجل بيخاف ربنا. لازم يتصرف، لازم ينضفها ويسترها عشان يقدر يتعامل معاها من غير ما يغضب ربنا.
قام أيوب وراح على دولابه الصغير، طلع جلابية بيتي من بتوعه، واسعة ونضيفة، وفوطة كبيرة، وصبونة ريحتها ليمون. راح جاب طشت ألومنيوم كبير، وسخن ماية على البوتاجاز، وخلطها بماية باردة عشان تبقى دافية. حط الطشت في زاوية الكوخ، ورا ستارة قماش كان معلقها بتفصل بين مكان النوم ومكان المطبخ.
تعالي.. شاورلها أيوب بهدوء. فتنة كانت بتبص للطشت باستغراب. قربت منه، وشمت الماية.
أيوب حط الجلابية والفوطة والصبونة على كرسي جنب الطشت. ماية.. نضافة.. حاول يوصلها الفكرة بالإشارة. عمل حركة كأنه بيغسل وشه وإيديه.
البت بصتله بعدم فهم. أيوب اتنهد بحيرة، المشكلة مش بس في إنها تستحمى، المشكلة إنها متعرفش إزاي أصلاً! مسك الصابونة، وبل إيده، وعمل رغوة، وغسل وشه قدامها. وبعدين شطف وشه بالماية.
شاورلها على الطشت، وشاور على الهدوم المقطعة اللي هي لابساها، وبعدين شاور على الجلابية النضيفة. اقلعي دول.. واغسلي جسمك.. واللبسي دي. قالها وهو بيلف وشه الناحية التانية بسرعة عشان يديها الأمان والخصوصية.
فضل أيوب واقف ورا الستارة، مديلها ضهره، قلبه بيدعي ربنا إنها تكون فهمت. فضل واقف يجي ربع ساعة، مفيش أي صوت غير صوت الماية اللي بتتحرك بخفة. فجأة سمع صوت شهقة خفيفة، وبعدها صوت الماية بيدلق بره الطشت.
خلصتي؟ سأل بصوت مبحوح وهو لسه لافف وشه.
مفيش رد.
لف وشه بحذر وفتح طرف الستارة حتة صغيرة. لقاها واقفة، لابسة الجلابية بتاعته اللي كانت طويلة جداً عليها وبتسحب في الأرض، بس الكارثة إنها كانت لابساها فوق هدومها المقطعة القديمة، وشعرها لسه مليان تراب، ووشها زي ما هو، كل اللي عملته إنها غسلت إيديها الاتنين بس زي ما هو عمل قدامها!
أيوب مقدرش يمسك نفسه، ابتسم بقلة حيلة. يا حبيبة عيني.. إنتي كأنك لسه مولودة امبارح.
دخل أيوب من ورا الستارة وهو باصص في الأرض. لا.. مش كده.
جاب كرسي وقعدها عليه. غض بصره على قد ما يقدر، ومسك مشط خشب بتاعه، وبدأ يسلك شعرها. المهمة دي لوحدها كانت عذاب. شعرها كان متشابك لدرجة إن فيه كتل طين ناشفة.
كل ما كان بيشد بالمشط، كانت بتتوجع وتطلع صوت أنين، فكان بيوقف، ويمسح على راسها بحنية ويقولها معلش.. استحملي شوية.. هتبقي أحسن.

تم نسخ الرابط