رواية زهره في جوف العتمه الحلقه_السابعه بقلم نور محمد حصريه وجديده
رواية زهره في جوف العتمه الحلقه_السابعه بقلم نور محمد حصريه وجديده
هيرجعوني للعتمة تاني يا أيوب؟
صوتها كان بيرتجف، طالع مخنوق من بين شفايفها، وعينيها الخضرا الواسعة متعلقة بالباب الخشب اللي كان بيتهز بعنف مع كل خبطة من بره.
على جثتي يا فتنة.. قلتلك مفيش ضلمة تاني طول ما فيا نفس بدخله وبطلعه. أيوب رد بصوت حاسم، وهو بيمسك كرسي خشب مكسور وبيكسر بيه إزاز الشباك الصغير اللي بيطل على السطح اللي جنبهم.
افتح يا واد إنت وهي! وعهد الله لو كسرنا الباب لندفنكم حيا مكانكم! مفيش مهرب، اللوكاندة كلها متبشمة برجالتنا! صوت المعلم سيد كان بيرعد من بره، والترباس بدأ يزيق ويتعوج تحت ضغط كتاف الرجالة.
أيوب رمى الكرسي، ومسك إيد فتنة بقوة.
بصيلي يا فتنة.. بصي في عيني ومتبصيش وراكي أبداً. إحنا هننط لسطوح اللي هناك ده.. المسافة مش بعيدة، بس تحتنا شارع فاضي ومضلم.
فتنة بصت للشباك المكسور، وبعدين بصت للمسافة الفاضية بين العمارتين. الهوا البارد كان بيدخل من الشباك يضرب في وشها. العتمة اللي تحتهم كانت عاملة زي وحش فاتح بؤه مستني يبلعهم. الرعب شل حركتها.
هقع في الضلمة.. الضلمة هتبلع فتنة! قالتها وهي بتسحب إيدها لورا وبتبكي.
أنا هسبقك.. وهقف الناحية التانية وهلقفك في حضني. مش هخليكي تقعي. ثقي فيا يا فتنة.. زي ما وثقتي فيا وإنتي بتعمليلي الكمادات. أنا أمانك وإنتي أمانتي.
الخبط على الباب اتحول لصوت تكسير خشب. الباب بدأ يتفلق من النص. أيوب مقدرش يستنى أكتر من كده.
طلع على حافة الشباك، بص للمسافة، أخد نفس عميق كأنه بيودع الدنيا، وبكل قوة باقية في عضلاته المنهكة، نط في الهوا.
طار أيوب للحظة فوق الشارع الضلمة اللي بيفصل بين العمارتين. الجاذبية كانت بتشده لتحت، بس قوة الدفعة خلته يوصل لحافة السطح التاني.
نزل على كتافه واتدحرج على الأسمنت عشان يمتص الصدمة. جرح راسه اتخبط، وحس بكهربا بتضرب في دماغه، بس متأوهش. قام بسرعة البرق، ولف وشه ناحية شباك اللوكاندة.
في اللحظة دي بالظبط، باب الأوضة اتكسر حتت، ودخل المعلم سيد ورجالته زي الديابة السعرانة.
المعلم سيد شاف فتنة واقفة على حافة الشباك، العباية السودة بتطير حواليها. عينه لمعت بجشع.
إمسك البت دي بسرعة! صرخ بأعلى صوته واندفع ناحيتها مادد إيده الخشنة عشان يمسكها من هدومها.
فتنة لفت وشها وشافت المعلم سيد بيقرب. ملامحه القاسية، والشر اللي في عينه، رجعولها أسوأ كوابيس طفولتها. الراجل ده كان بيجسد كل حاجة بشعة عاشتها. بصت قدامها لقت أيوب واقف الناحية التانية، فارد دراعاته الاتنين، وعينيه بتترجاها تنط.
بين وحش مستعد ينهش لحمها، وبين راجل بينزف عشان يحميها، فتنة أخدت أصعب قرار في حياتها. أغمضت عينيها بقوة، ومسكت في الهوا.. ونطت.
قفزتها مكنتش قوية زي أيوب. جسمها الضعيف اللي متغذاش كويس لسنين مأسعفهاش. بدأت تسقط لتحت قبل ما توصل للحافة. المعلم سيد وصل للشباك، وإيده خبطت في طرف عبايتها بس مقدرش يمسكها.
أيوب شافها بتسقط. بدون ذرة تفكير، رمى نصه اللي فوق كله بره حافة السطح، ومد إيديه الاتنين لأقصى حد ممكن. صوابعه لمست دراعها.. قبض عليه بكل قوته.
وزنها اللي نزل لتحت سحب أيوب معاه، نصه اللي قدام بقى متعلق في الهوا، بس رجليه كانت متشعبطة في سور السطح الخرساني القصير.
آآآه! أيوب صرخ من شدة الألم في كتفه اللي كاد ينخلع من مكانه.
فتنة كانت متعلقة في الهوا، بين السما والأرض، ماسكة في دراع أيوب بإيديها الاتنين، وبتصرخ برعب والشارع الضلمة تحت رجليها.
شدي نفسك! امسكي فيا جامد! أيوب كان بيجز على أسنانه، وعروق رقبته نافرة من المجهود الجبار. بدأ يسحبها لفوق ببطء. عضلاته كانت بتتقطع، والدم بدأ ينزف من راسه تاني وينزل على وشه يعمي عينه.
المعلم سيد واقف الناحية التانية، طلع مطوته وكان هيستعد ينط وراهم، بس لما شاف المسافة، خاف على روحه.
يا بهايم! انزلوا هاتوها من الشارع أو اطلعولهم من العمارة التانية! العيال هتهرب!
بصعوبة بالغة، أيوب قدر يسحب فتنة لحد ما مسكت في سور السطح، وشدها لحد ما وقعت فوقه على الأسمنت البارد.
الاتنين فضلوا نايمين على ضهرهم، بينهجوا بصوت عالي، بيسحبوا الهوا كأنهم غرقانين ولسه طالعين لسطح الماية.
أيوب مأداش لنفسه فرصة يرتاح. زق نفسه وقام، وسحب فتنة من إيدها.
قومي.. هيطلعولنا هنا. لازم نمشي على السطوح دي لحد ما نلاقي منزلة تانية.
بدأوا يجروا في ضلمة الليل فوق سطوح. المكان كان عبارة عن متاهة من العشش، وأطباق الدش، وحبال الغسيل. أيوب كان بيجري وهو بيسحبها وراه، بيعدوا من سطح لسطح عن طريق السور القصير اللي بيفصل العمارات المتلزقة في بعضها في الأحياء الشعبية القديمة.
البرد كان قاسي، وفتنة كانت حافية، رجليها بتتجرح من والزاز المكسر المرمي على السطوح، بس مكنتش بتشتكي. كانت بتجري وراه زي ضله.
الخوف كان مخليها مش حاسة بأي ألم جسدي، كل تركيزها إن إيد أيوب متسيبش إيدها.
فجأة، سمعوا صوت خطوات بتجري وراهم على السطوح. المعلم سيد ورجالته مكنوش هيسيبوا المليون جنيه تضيع بالسهولة دي.
هناك أهم! ورا الدش ده! واحد من البلطجية لمحهم وشاور عليهم.
نستخبى فين؟ أيوب كان بيلف حوالين نفسه. السطح اللي هما عليه كان الأخير، مفيش سطوح تانية ينطوا عليها، والباب اللي بينزل للسلم مقفول بقفل حديد ضخم. كانوا محاصرين.
عينه لمحت غية حمام خشبية كبيرة جداً ومبنية على ارتفاع عالي في ركن السطح. كانت مقفولة بسقاطة خشب من بره.
شد فتنة ناحية الغية بسرعة. فتح السقاطة، وزق الباب الصغير، ودخلها ودخل وراها، وقفل السقاطة من جوه بحتة سلكة كانت واقعة على الأرض.
الغية كانت ضلمة كحل، ريحتها كلها طيور وخشب قديم. الحمام بدأ يرفرف بخفة ويعمل أصوات مكتومة لما حسوا بحد غريب دخل. أيوب شد فتنة لتحت، ونزلوا استخبوا تحت الرفوف الخشبية اللي عليها أعشاش الحمام.
المكان كان ضيق جداً لدرجة إنهم كانوا لازقين في بعض. أيوب حط إيده على بؤ فتنة برقة عشان يكتم أنفاسها السريعة، وهي مسكت في قميصه ودفنت وشها في صدره. كانت سامعة دقات قلبه اللي بتجري زي الحصان.
صوت الخطوات التقيلة وصلت للسطح.
راحوا فين ولاد الكلب؟ السطح مقفول والباب متجنزر!
دور في العشش دي يا واد! شوف غية الحمام دي!
خطوات المعلم سيد قربت من الغية. أيوب قبض على حتة خشبة مكسورة في إيده التانية، مستعد للموت لو الباب اتفتح.
فتنة قفلت عينيها وبدأت ترتعش بعنف، بس أيوب ضمها أكتر وباس راسها في الضلمة عشان يطمنها.
المعلم سيد خبط برجله على خشب الغية من بره. الحمام انتفض كله مرة واحدة وبدأ يطير ويخبط في السلك بتاع الغية ويعمل دوشة فظيعة.
إيه القرف ده! الحمام اتجنن. مفيش حد جوه، لو حد دخل كان الحمام طار من بدري.