زهـرة بين براثِـن البـأس بقلـم الكاتبـة سيـلا محمـد « الفصـل الثانـي »
زائر لأحد الأطباق أو عابر ...
و حين يأتي الليل بسهوِه ... يأنى الجميع إلى مداخلهم ، و الخضوع مستسلمين أو مِرغمين لسلطان النوم ...
إلا هو .... ذاك المُعذِب و المُعذَب ....
أفكار .. أحاديث .. قرارات .. كلها بداخل عقله تتخبط كما ساحة حرب لا تهدأ .....
و كأن كوارث الكون كلها قد حدثت منذ قليل بقول غازي و زوجته ...
أخرج سيجاره الفاخر من الصندوق الفضي الأثير الكائن على ضفاف مكتبه ..
ذاك الصندوق الذى اعتادت رحيق تخبئة ما فيه يوميا كي لا تتسلل يداه إلى إحداها ساعة التفكير ، أو لحظة الغضب ...
لطالما نصحته بالعزف عن تلك العادة السيئة التى لا تضُر و لا تنفع ... و إن أهلك الجميع أرواحهم فى سبيل تغيير سلوك غيره لا ينجح ..
إلا أنها بحنانها فعلت .. و استطاعت خلال أشهر إكسابه حلو الثغر بمذاقه الشهي الرطب ، بدلاً من سجائر ضارة لا تساوي جرام من الذهب ...
صعد بأس إلى الأعلى ، يتقدم بخطواته إلى الأمام ، ثم دلف غرفة طفله الصغير نائل .. يُقبله فى حنان ، و عشق طاغي .. استغرق ما يُقارب الربع ساعة كامله يتأمله ...
يا الله ... ما أجملك يا بُني ! تُشبه والدتك إلى حدٍ كبير ...
من أجلك ملكت كِسرى .. و لأجلك أُشعِل روما ... و إن أردت أعيد تسجيل تاريج العالم حدثًا حدثا....
بخطوات متأنية غادر ... إلى غرفته
ليشعر بإحساس غريب طاريء عليه ...
ليس هكذا يُحِس ؟! ... ما الذى حدث له .. ؟!
و أين بادرته ، و هو الذى اعتاد اللحاق بذكرى زوجته ، و انتشال صورتها .. لتنتقل من إطارها إلى أنامله ، فقلبه ، فشفتاه .
لكن الليلة لم يفعل .. بل ذهب إلى المرحاض مباشرة دون اعتذار ...
يريد أن يغسل عن جسده شعور المقت ...
يريد أن يخلع عن عقله كِسوة اللين لإمرأة ... و أي امرأةٍ تلك ..
أنثى بوجنتين ... معصوبة العينين ... مكبلة اليدين ، و القدمين .. لكنها طليقة اللسان .. ما إن تحدثت ، حتى ظهر بأدبها البيان ....
لا .... لن تفلح بنشر بذورها داخله .. و لن يقبل بذلك ، و لن يرضخ ...
انتهى بأس من حمامه المنعش ، ليجلس على الفراش ، ثم استجمع قواه ليقف ثانيه .. و اتجه إلى مرآته الصادقة التى تكشف داخله ، أكثر مما تفعل بخارجه ..
و ظل على جموده للحظات ، أتبعها بجملة من حديد
مش هسمحلِك تاخدي مكان مش مكانِك ، حتى لو كنتِ .. كنتِ .. لأ مش هسمح
و اتجه إلى فراشه من جديد عازمًا على إتيان ما استغرق منه ساعتين فى التفكير داخل مكتبه منذ قليل ، ليبتسم فى شراسة قائلاً
الفراشة اللي تفكر تدخل شباك العنكبوت ، تتحمل نهايتها على إيد بأس ...
وإستلقى على فراشه من جديد ، ليغرق فى نومٍ عميق
بينما فى الجناح الآخر من القصر
جلست حسناء على طرف الفراش تتحدث الى زوجها فى امتعاض
عاجبك اللي حصل ده يا غازي ... شايف جوز بِنتك انقلب حاله علشان حتِة بنت مشوهه ، و أمها الحيزبونة ... و الآخر الباشا يزعقلي أنا و يرد على كلامي ..
طب إيه رأيه بقى ، أنا فعلاً هاخد حفيدي بعيد عنه ،
و هسافر بيه بكره كمان .. أما أشوف البيه هيعمل إيه ، و هيمنعني إزاي ؟!
تقوست شفتا غازي ، يتحسس لحيته النابته المشذبه بمهارة ، ثم قال بنبرة حاول إسدال الاهتمام محل الغيظ للفظ حيزبونة الذى أطلقته على غنوة التى نالت كل تفكيره
إنتِ عارفه كويس إن بأس مش سهل ، و محدش يقدر ياخد ابنه منه .. ولا إنتِ تقدري تقفي ضده أو قصاده ؛ ولا أنا هقدر ...
لِمِّي الدور زي ما بيقولوا هنا ف مصر .. و خليها تمشي ، بدل ما تيجي على دماغنا ..
إحنا قبل ما نكون نسايبه ... إحنا بينا وبين شركته مشاريع كتيرة أوي ... و أي خسارة فيها بملايين ...
تعي ما يقول .. بل و تؤمن به أيضًا .. لذا استجمعت شجاعتها ، لمحاولة النسيان و على إثره .. سحبت أنفاسها العميقة ، لتزفرها من جديد ، و تنسى معه ما حدث ..
إلا أن الطرقات التى احتلت باب الغرفة حالت دون التماسك فى تلك الليلة الملبدة بالسواد ...
مين ؟!
تساءلت حسناء فى زهو ، لتفتح ابنتها دارين الباب دون استئذان ... هاتفة دون حرج
بابي ... أنا عايزة حقي من الحقيرة اللي اسمها غيداء و أمها ... و أبيه بأس كمان ...
صرخ الرجل صرخةً قويه ، تراجعت على إثرها تلك المدللة ، ثم قال
ومين كمان ... ؟! اشجيني ... اشجيني ..
إيه رأيِك فى عمك صلاح ، و الدكتور والي .. و نائل ذات نفسه كمان ..؟! إحنا نجمعهم و نربطلهم عنيهم و .........
قاطعت دارين حديث والدها ، لتهتف
yes ... أيوه كده .. عاقبهم كلهم يا بابي عشان خاطري ....
أطرقت دارين على إنذار الخطر الداخلي لغازي ، ليصرخ فيها تلك المرة صرخة عبرت من شدتها الباب المغلق
، ليقول فى حده
لو نطقتي الكلمتين الفارغين دول تاني ... أنا اللي هسلمك لبأس يربيكِي من أول وجديد ....
من إمتى و إحنا بنغلط ف الناس ... من إمتى و إحنا بنقِل أدبنا .. إنتِ السبب من البدايه ؛ علشان كده مش قادر أتعاطِف معاكِي .... يلا على أوضتِك .. أنا تعبان و عندي صداع من وَشْكُم اللي مش بيخلص ..
و غادرت هي الأخرى بقلب يكاد يحترق ..
أما عن الأخرى ... التى تقلدت اسم جوليا .. فهي الأخرى فى صراع من العشق و التمني ..
تريده ... برغبة لا يوازيها سواها ... تشعر به بداخل الأوردة دُم يضخه القلب ...
قلبها ليس ملكًا لها ... بل يملكه ...
تحترق ... و داخلها يشتعل .. لم لا يرضى بها ؟!
كانت الأولى فى محيط رؤيته ... اختطف قلبها دون أن يلحظ ...
تتذكر ذاك الحفل الاسطوري الذى ضم نخبة من رجال
الأعمال ، و قد كان فيه بأس ضيف الشرف
و لمحته بين جموع الحاضرين ... انساقت إليه انسياق الشاه إلى مذبحها
تذكُر ابتسامته الجذابة ، أناقته الأخاذة ، خصلاته التى حين تتطاير .. يتطاير معها العقل إلى غير رجعة ....
نعم ... لقد جُنت فيه ، و به ... و تحيته لها بقُبلة رقيقة على أناملها كانت خير دليل ...
إلى أن حضرت شقيقتها الصغرى رحيق ...
سحرت قلب البأس حين رآها ، وعلى حين غُرة .. اقترب منها .. و تحدث إليها فى شموخ
و أخيرًا ملكة السهرة شرفت ... دلوقتي بس الحفلة هتبتدي ....
اختطفته منها ، قبل أن يخطفها الموت
و عليها استعادة ما لها ، و قد صار بموتها عازبًا من جديد .....
بقلم الكاتبة سيلا محمد
أوتظُن أن رجفةُ البرد تُداوَى بموجات من الدفء .. حين نُطلِق العنان لشراشفنا تستر و تخمد أسفلها جسد بات بين الزمهرير صَلبٌ متجمد ... !!
و إليكم الحديث عن الدرجة الأكثر غلظة رجفة الحزن
تلك الرجفة التى لا تنتهي بسهوله كما تظن ..
فليس المأخذ هنا عن كلمة تتردد على أبواب القلوب قبل الأذهان .. و إنما عن انكسار و شروخ تقوست بسلوك تعمد الغير إيذاء من حوله ..
هي التى بآلامها لا تسكن الجسد ، بل تسكن الفؤاد .
و إن أتت تأتي فجأة ؛ بعد قصائد من وجع ...
فترتجف لها الروح ، فى صمت لا يسمعه أحد
و الألم من الداخل صريح ... ومن الخارج واضح ...
أمّا رجفةُ الحزن فلا تنتهي بسهولة، لأنها لا تسكن الجسد بل تسكن القلب.
ولن تهدأ عاصفة أوجاعها إلا بقلب يَصدُق النية ، يعي كيف يُرمم ما حطمته الأيام
بقلم الكاتبة سيلا محمد
زهرة بين براثِن البأس
﴿ يُتبع ........................... ﴾