الخنزير الملياردير كاملة
المحتويات
سليم.
وبعد دقائق خرج الرجل، وأغلق الباب بالمفتاح.
اقتربت ملك من الباب، لكنها لم تجد شيئًا غير طبيعي.
مرّ عام كامل.
وخلال ذلك العام، تغيرت علاقتها بالحاج سليم.
لم تعد تخاف منه.
بل أصبحت تفهم صمته.
عرفت أنه لا يحب الضجيج، وأنه يستيقظ مبكرًا، وأنه يكره أن يشفق عليه أحد.
وعرفت أيضًا أنه، رغم ثروته، كان يعيش وحيدًا بشكل مؤلم.
وفي ذكرى زواجهما الأولى، أقام الحاج سليم حفلة صغيرة داخل الفيلا.
كانت ملك ترتدي فستانًا بسيطًا، وعندما دخلت القاعة، وجدت الجميع ينظرون إليها.
اقترب منها الحاج سليم وقال
ملك... النهارده عايزك تدخلي معايا المكتب.
استغربت.
ليه؟
ابتسم ابتسامة غامضة.
عشان خلاص... جه الوقت تعرفي الحقيقة.
دخلت معه.
أغلق الباب.
ثم اتجه إلى مرآة كبيرة في آخر الغرفة.
ضغط زرًا صغيرًا في الحائط.
فانفتح جزء من المرآة ببطء، وظهر خلفها ممر سري.
شهقت ملك
إيه ده؟!
قال سليم
قبل ما تدخلي هنا، عايزك توعديني إنك مهما شفتي... هتسمعيني للآخر.
ابتلعت ملك ريقها.
أوعدك.
دخلت خلفه.
وفي نهاية الممر، وصلا إلى غرفة مجهزة بأجهزة غريبة.
توقّف سليم أمام شاشة كبيرة.
ثم قال
فاكرة إن الناس كلها كانت بتقول إني عاجز عن الحركة؟
هزت ملك رأسها.
أيوه.
ابتسم.
كانوا غلطانين.
ثم ضغط زرًا.
وفجأة...
وقف الحاج سليم من فوق كرسيه المتحرك.
تراجعت ملك خطوة إلى الخلف من شدة الصدمة.
إنت... بتقف؟!
ضحك لأول مرة أمامها ضحكة حقيقية.
وأقدر أمشي كمان.
بدأ يتحرك ببطء أمامها.
كانت ملك تحدق فيه غير مصدقة.
ثم اقترب من جهاز آخر، وبدأ يخلع القناع الطبي والملابس الثقيلة التي كان يرتديها تحت بدلته.
ظهرت ملامحه الحقيقية تدريجيًا.
لم يكن الرجل الذي عرفته طوال العام كما كانت تظن.
كان يخفي جسدًا مختلفًا تمامًا، وآثار ندوب قديمة على صدره وكتفه.
قال بهدوء
كل اللي شوفتيه كان تمثيل.
لكن ليه؟!
نظر إليها طويلًا.
لأني كنت عايز أعرف... هل هتفضلي معايا لو مفيش فلوس؟
تجمّدت ملك.
ثم قالت بصوت مكسور
يعني كل الفترة دي كنت بتختبرني؟
هز رأسه.
أيوه.
وحتى يوم جوازنا؟
أيوه.
امتلأت عيناها بالدموع.
وأنا كنت
فاكرة إنك محتاج حد يقف جنبك.
خفض سليم عينيه.
وده أكتر شيء خلاني أندم إني اختبرتك بالطريقة دي.
ساد الصمت.
ثم قال
بس لسه في حاجة أهم ما تعرفيهاش.
رفعت ملك عينيها إليه.
إيه؟
أخرج سليم ملفًا قديمًا من الخزنة.
وضعه أمامها.
فتحته ملك...
وفجأة تغيّر لون وجهها.
كان الملف يحتوي على أوراق تثبت أن ديون والدها لم تكن خمسين مليون جنيه كما أخبرها.
بل كان هناك شخص آخر هو الذي صنع الدين من الأساس.
رفعت رأسها بسرعة
مين عمل كده؟
نظر إليها سليم وقال
الشخص اللي طلب من أبوكي يراهن... والشخص اللي كان عايز يجوزك ليا.
توقفت أنفاس ملك.
يعني... جوازي منك كان مخطط له؟
قال سليم
من البداية.
ثم دفع إليها صورة قديمة.
نظرت ملك إلى الصورة...
وعندما رأت الشخص الواقف بجوار والدها، سقطت الصورة من يدها.
لأنها كانت تعرفه جيدًا.
كان أقرب شخص إليها طوال السنوات الماضية رفعت ملك الصورة مرة أخرى، وراحت تحدق فيها كأنها تحاول إقناع نفسها بأن عينيها تخدعانها.
ثم همست
مستحيل...
اقترب منها سليم.
إنتِ تعرفيه؟
هزت رأسها ببطء.
ده... عمي فؤاد.
ساد الصمت.
كان فؤاد شقيق والدتها، والرجل الذي لطالما وقف بجانب الأسرة في أصعب أوقاتها.
كان هو الشخص الذي ساعد والدها في بداية أزمته، وهو نفسه الذي كان يأتي إلى المنزل كل أسبوع تقريبًا.
قال سليم
فؤاد هو اللي عرّف أبوكي على المقامرة.
شهقت ملك.
إيه؟
هو اللي أقنعه يدخل أول رهان. ولما خسر، أقرضه فلوس بفوائد ضخمة. وكل مرة كان أبوكي يغرق أكتر، كان فؤاد بيقوله المرّة الجاية هتكسب.
جلست ملك على الكرسي.
بس ليه يعمل كده؟
أجاب سليم
عشان يوصل لثروتي.
رفعت عينيها إليه.
إيه علاقة ده بيك؟
أخرج سليم ورقة أخرى.
من عشر سنين، كان أبوكي شريكًا في شركة صغيرة. الشركة دي كانت تملك قطعة أرض كبيرة جدًا في القاهرة. فؤاد كان عايز يستولي عليها، لكن أبوكي رفض يبيع نصيبه.
توقفت ملك عن التنفس للحظة.
وبعدين؟
بدأ فؤاد يدمره ماليًا.
قلب سليم الورقة أمامها.
لحد ما بقى أبوكي مدين له بالمبلغ اللي إنتِ كنتِ فاكرة إنه مدين لي.
حدقت ملك في الورقة.
يعني الخمسين مليون...
جزء كبير منها ديون مصطنعة.
ثم قال سليم
لكن فؤاد ماكانش يعرف إن أبوكي قبل ما يغرق تمامًا، طلب مني المساعدة.
إنت كنت تعرف أبويا؟
ابتسم سليم بحزن.
كنت أعرفه من قبل ما تتجوزيني بسنين.
سكت لحظة، ثم أضاف
وكان بينا اتفاق.
اتفاق إيه؟
أخرج سليم عقدًا قديمًا.
إنقاذه من فؤاد مقابل أن يسلّمني إدارة الشركة والأرض مؤقتًا، لحد ما يسدد اللي عليه.
نظرت ملك إليه بدهشة.
طب ليه ما قلتليش من الأول؟
خفض سليم عينيه.
لأن أبوكي طلب مني ما أقولش.
ثم أضاف
وكان عنده سبب.
إيه هو؟
نظر سليم إلى الباب المغلق.
كان خايف إن فؤاد يؤذيك.
تجمدت ملك.
وفجأة تذكرت كل شيء.
المكالمات التي كان عمها يصر على إجرائها معها.
الأسئلة الكثيرة عن حياتها.
وإصراره الغريب على معرفة تفاصيل زواجها.
قالت
يعني عمي كان عايز يخلص مني كمان؟
مش بالضرورة.
ثم نظر إليها سليم بجدية.
لكن كان عايز يستغل زواجك عشان يوصل لي.
وقفت ملك.
إزاي؟
قال سليم
لأن فؤاد كان فاكر إني رجل ضعيف، محبوس في كرسي متحرك، ومش قادر أواجهه.
ابتسم ابتسامة قصيرة.
ماكانش يعرف إني كنت مستنيه يغلط.
في تلك اللحظة، رن هاتف سليم.
نظر إلى الشاشة.
ثم تغيّر وجهه.
ناول الهاتف لملك.
كانت هناك رسالة واحدة
لو عايز بنت أختي تفضل عايشة، ابعد عن الشركة وسلم كل المستندات.
شهقت ملك
عمي!
أخذ سليم الهاتف منها بهدوء.
ثم قال
دلوقتي فهمت ليه استعجل.
هنعمل إيه؟
اقترب سليم منها.
هنخليه يعتقد إنه كسب.
وبعدين؟
ابتسم سليم لأول مرة بثقة.
هنخليه يكتشف إن أكبر غلطة ارتكبها... كانت إنه لمس الشخص الوحيد اللي أقسمت أحميه.
لكن ملك لم تكن تعرف أن الرسالة لم تكن أخطر ما في الأمر.
فبعد دقائق، وصل تسجيل صوتي إلى هاتفها.
ضغطت عليه.
وسمعت صوت والدها.
وكان يقول
ملك... لو وصل لك التسجيل ده، يبقى أنا فشلت أخبي الحقيقة أكتر من كده.
تجمدت في مكانها.
ثم جاء صوته مرتجفًا
سليم مش هو اللي أخد فلوسنا...
صمت لثوانٍ.
ثم قال
أنا اللي طلبت منه يتجوزك.
اتسعت عينا ملك.
وسقط الهاتف من يدها.
لأنها أدركت أن والدها كان يخفي عنها سرًا أكبر بكثير من ديون الخمسين مليون جنيه ظلت ملك تحدق في الهاتف، وكأنها تنتظر أن يعود صوت أبيها من التسجيل ويقول لها إن كل ما سمعته مجرد كذبة.
لكن التسجيل انتهى.
رفعت عينيها إلى سليم.
أبويا قال إنه هو اللي طلب منك تتجوزني...
لم يجب سليم.
ليه؟
تنهد طويلًا، ثم جلس على الكرسي.
لأن أبوكي كان عارف إنه مش هيقدر يحميك.
اقتربت منه ملك.
يحمني من مين؟
نظر إليها مباشرة.
من فؤاد.
سكتت.
فقال
قبل جوازنا بأسبوع، أبوكي جه لي بالليل. كان منهارًا، ومش معاه غير ملف واحد.
ملف إيه؟
ملف فيه كل معاملات فؤاد السرية.
ثم أضاف
كان فيه تحويلات، عقود مزورة، وأسماء ناس استخدمهم عشان يسيطر على شركات وعقارات.
وضعت ملك يدها على فمها.
وأبويا عرف كل ده؟
أيوه.
وكان فؤاد عارف إنه عرف؟
هز سليم رأسه.
للأسف.
ثم فتح درجًا وأخرج ظرفًا بنيًا.
أبوكي قال لي وقتها لو حصل لي حاجة، احمي بنتي. حتى لو اضطررت تتجوزها.
تراجعت ملك خطوة.
يعني جوازنا كان عشان تحميني؟
في البداية... أيوه.
سألته بصوت منخفض
وفي البداية بس؟
صمت سليم.
فهمت ملك الإجابة من عينيه.
قالت
إمتى اتغيرت؟
رفع عينيه إليها.
من أول يوم شفتك فيه وإنتِ بتمسحي العرق من على وشي قدام الناس.
ارتجف صوتها
سليم...
وقتها كنتِ الوحيدة اللي ما بصتش لي كأني وحش.
ثم ابتسم بحزن.
بس أنا غلطت لما اختبرتك. وكنت عارف إنك هتتوجعي لما تعرفي الحقيقة.
وقبل أن تجيبه، سُمع صوت ارتطام قوي خارج الغرفة.
التفت الاثنان.
ثم انطفأت أنوار الفيلا كلها.
قال سليم فورًا
متتحركيش.
أمسك هاتفه، لكنه لم يجد شبكة.
وفي اللحظة
نفسها، سُمع صوت أحد الحراس يصرخ من أسفل
يا حاج سليم!
ثم جاء صوت ارتطام آخر.
اقتربت ملك من النافذة.
رأت سيارات سوداء تقف أمام بوابة
متابعة القراءة