ندبات الفؤاد الفصل الخامس بقلم الكاتبه زيزي محمد

لمحة نيوز

معه، بل كانت بعيدة كل البعد عنه.
وصل لدور القابع به شقتها، فوجدها تقف أمام الباب تضع أكياس للقمامة ممتلئه على اخرها، رفع حاجبيه وهو يتابع هيئتها الفوضوية من قميص قطني طويل يصل إلى كاحلها وفوقه نصف خمار والمفاجأة هنا تكمن في وجهها الخالي من أي مساحيق، ابتسم باستهجان لحالتها تلك، ورفع صوته يخاطب توته
أخيرًا يا توته، الجيران قرروا ينضفوا بيتوهم.
رفعت ليال وجهها تطالعه، فشعرت بتدفق الدماء لوجهها، لأول مرة يراها أحد بهذه الحالة المزرية، ولحظها التعيس كانت المرة الاولى من نصيبه.
باعدت عيناها عنه، وتلبست برداء الوقاحة مخاطبه إياه في جرأة
على الله باقي الجيران ينضفوا نفوسهم شوية من الغل والحقد اللي فيهم.
رمقها بنظرات غير مفهومة، شاملاً إياها من أخمص قدمها لرأسها، مرورًا بوجهها الذي باتت ملامحه واضحة إلى حد كبير، فبالنسبة له أجمل من تلك الزائفة التي تضع مساحيق تشوه من جمال ملامحها.
تفرسه بها اخجلها فقالت بحدة
بتبص كده ليه؟!
بعد صمت طويل منه، فاجأها برده غير المتوقع بالمرة
الحلو حلو لو قام من النوم والوحش وحش لو غسَّل وشه كل يوم.. أمي زمان كانت دايمًا بتقول المثل ده مكنتش بفهمه، بس دلوقتي فهمته...

شهقة صدرت منها، تعبر عن استياءها
قصدك إيه!.
اللي انتي فهمتيه، ادخلي يا توته خدي الدرس...
دفع الصغيرة للداخل رغمًا عنها، وقبل أن يغادر تفوه بفكرة داعبت عقله ليلة أمس، كي ينتهي من جدال اخته اليومي، ويقصر على ذاته جهاد يخوضه يوميًا بسبب لقاءه المستمر مع جارته الحمقاء..
على فكرة فاطمة أختي قالت لام محمود انك بتدي توته درس، فام محمود فرحت واحتمال تجبلك محمود من الحصة اللي جاية...
توسعت عيناها بصدمة، ولم تقدر على التحدث، فسارع هو بقوله
أنا قولت اقولك علشان تهتمي بنضافة البيت.
جزت فوق أسنانها بعنف شديد، فخرجت حروفها تحمل حقدًا اتجاهه
واعمل في الورطة دي، مش كفاية بدي بنت اختك غصب عني.
اتجه صوب السلم، مبتسمًا باستفزاز
والله بيتنا تحت مفتوح، وعرضنا عليكي، انتي اللي اصريتي، ف...مبروك.
صرخت بحنق
مبروك على إيه!.
على توته ومحمود وتسنيم وعيال العمارة كلهم.
ختم حديثه وهو يلوح لها قاصدًا استفزازها، فاغلقت الباب في وجهه تعبيرًا عن غضبها منهم جميعًا.
هبط سيف درجات السلم وهو يرفع يده للاعلى داعيًا ربه برجاء
يارب تيجي تدي البت درس تحت، مبقتش عايز اشوفها..
ثم بعدها هز رأسه مؤكدًا
وهي بتديها هكون في الورشة واخلص من العذاب اللي أنا فيه.
عذاب إيه يا اسطى.
تراجع سيف للخلف، ناظرًا للواقف أمامه بذعر
أنت غبي ياله في حد يعمل اللي أنت عملته.
حك أيوب مؤخرة رأسه، مردفًا
معلش يا اسطا، عن اذنك هطلع دور الشاي ده لشقة أستاذ عبد العزيز..
اغلق سيف عيناه بغضب
أنا قولت مية مرة، متطلعش هنا في العمارة، لو أستاذ عبد العزيز عايز يشرب شاي ينزل القهوة تحت.
هقوله...هقوله.
صعد أيوب السلم في سرعة متمتمًا بداخله بغل
اه..مش عايز حد يشوفك معها يا اخويا.

دخل يزن اولاً باحثًا عن والدته، فوجدها تجلس فوق الاريكة تمدد ساقيها أمامها، ودموعها منسابه فوق وجهها، بجانبها شمس وزيدان ووالده..
عقد حاجبيه بقلق، مندفعًا نحوهم
مالك يا ماما.
هتفت بصوت متقطع مبحوح
مفيش ياابني، شوية التعب اللي بيجوا في رجلي.
نهض يزن بلهفة، مردفًا
قومي نوديكي عند الدكتور..
ردت شمس بخفوت
رافضين أي حجز خالص، غير بعد أسبوع.
فقد زيدان هدوئه
نشوف حد تاني..
قاطعته والدته بنفاذ صبر من فرط المها
يابني انا برتاح معاه، وبعدين انا اخدت الدوا وهكون كويسة.
السلام عليكم.
قال سليم بصوت هادئ رزين، فرد الجميع عليه، تابع خطواته نحوهم، وعيناه تتعلق بكل شخص منهم يقرأ ما يدور بينهم، فأدرك على الفور سبب التفافهم حول والدته، وقد أكدت شمس بحديثها الخافت له حينما نهضت ووقفت بجانبه
ماما تعبانه اوي..
هز رأسه متفهمًا دون أن ينطق بكلمة، فساد الصمت بينهم جميعًا، حتى أن صمته دون أن يبرز قلقه لوالدته استفزهم، فصُوب نحوه نظرات السخط، ضغطت شمس فوق يده وبعينيها أشارت نحو والدته، لحظات استغرقها ليخرج صوته الفاتر المعقب على حالتها المرضية
الف سلامة، ان شاء الله تكوني بخير.
انهى حديثه وجلس فوق الكرسي يخرج هاتفه، متابعًا شيئًا ما، دون أن يرفع عينه بعيون والدته، حيث كانت تنظر له في حزن وجعه فاق الم ساقيها، لقد هُدم جسر الوصال بينهما، والسبب هي... هي من زرعت بذرة القسوة بداخله بعد أن كان قلبه ينبض بالود والرحمة.
انسابت دموعها بحسرة وندم، دفنت وجهها في صدر زيدان المقترب منها في هذه اللحظة، واطلقت لنفسها العنان في البكاء الصامت، ترحب بمباراة مع جلد الذات سببها ندوب متراكمة في فؤاد ولدها.
بينما كان سليم يتجاهل نظراتهم، متابعًا هاتفه باهتمام، ولكن عقله كان له عيون فريدة تتابع ما يحدث باهتمام، وعندما شعر بحركة ما، رفع نصف بصره بلؤم، فوجد والدته تدفن وجهها بزيدان.
ضغط فوق لحم شفتيه في غيظ وكأنه يريد تقطيعه، هذا هو المتوقع منها ومن ردود افعالها التي كانت دائمًا تناسق خلف زيدان ويزن فقط، أما هو فكان غير مرئي لها، بل لجميعهم.

صعدت شمس السلم خلفه بسرعة، بعدما هب سليم واقفًا مغادرًا دون أن يتحدث، لم تدرك ما حدث له، سوى أن الغضب قد عاد وتملك منه، هزت رأسها
تم نسخ الرابط