ندبات الفؤاد الفصل الخامس بقلم الكاتبه زيزي محمد

لمحة نيوز

بيأس من صمته المعتاد، ومن طريقته الخاطئة في التنفيس عن غضبه بسجائره اللعينة.
دخلت خلفه في الشرفة ولكن قبل أن تمضي قدم واحد كان صوته ينهرها
طرحتك يا شمس.
عدلت من وضعية حجابها باحكام، ثم دخلت ووقفت بجانبه في وسط كثيف من الادخنه المنبثقة من فمه، لم تبدي اشمئزازها من رائحتها، بل كتمت تعابيرها من أجله فقط، كي لا يغضب أكثر..
ادخلي جوا، الدخانه دي خطر عليكي.
رفعت حاجبيها معًا، لاهتمامه بها في أدق التفاصيل، ولكن اهتمام جاف ينقصه توابل تزيده حرارة، فخرج صوتها المميز ببحته الناعمة
يعني هي خطر عليها وعليك لا..
لم يبدي اكتراث لحديثها، تجرأت ومدت يدها تلتقط السيجارة من فمه تلقيها من الشرفة، فحدجها بنظراته الغاضبة، مهددًا إياها
اخر مرة تعمليها.
وضعت يدها فوق صدره، تتمسك بقميصه، تهتف بحب
هعملها لانها خطر زي ما بتقول، وانا بخاف عليك.
بجد بتخافي عليا.
ارتفع جانب شفتاه ساخرًا وكأنها ليست شمس، بل والدته، لا يعلم لِمَ تجسدت أمامه الآن، وكأنه داخل زنزانه مفاتحيها مع والدته.
أخرجه صوت شمس وهي تنظر له غير مصدقة
طبعًا بخاف عليك..سليم مالك؟.
أنا مش فايق، وهخرج شوية لما تنيمي انس.
القى بحديثه وهو يبعد يدها المتعلقه بقميصه، مغادرًا الشقة بأكملها، متجهًا صوب صديقه وملاذه الذي يتخلى معه عن القسوة، ظاهرًا اوجاعه مناقشًا اياه بكل سلاسه.
بينما وقفت شمس تطالعه اثره في صمت، ولكن عقلها يعمل بجعد في فك شفراته، يجاهد في تكسير الحواجز بينما، فشعرت بتقصيرها نحوه..واكدت على ذلك حينما ردد ذهنها صوته الحزين بجد بتخافي عليا..
انسابت دمعه فوق وجنتاها، مسحت وهي تقرر الاهتمام به أكثر، بل تنوى ادخاله في دائرة عشقهما من جديد، يبدو أن ما تفعله في الخفاء هو السبب في الهائها عنه.

بعد مرور عدة ساعات..شعر سيف بملل شديد وهو يجلس على مقعده بالورشة في تلك الساعة المتأخرة، منتظرًا الجبل الجليدي بالذوبان والتحدث معه.. متمنيًا التخلص من الهدوء الذي عم المكان فجأة، وهو غير معتاد على ذلك..
اقوم يا سليم اشوف شغلي..
ما تقوم..
قالها سليم بلامبالاة، فاغتاظ سيف منه
وسايبني اقعد معاك ليه.
انت اللي قاعد.
ظهرت ملامح الصدمة على وجه سيف، ولكن سليم تجاهلها بقوله الهادئ
الورشة بتاعتك دي بحس في براحة غريبة.
ضحك سيف متهكمًا
اه ريحة زيت العربيات بتنعش قلبك.
صمت عم المكان للحظة، ثم ارتفعت ضحكات سليم عاليًا، تابع سيف تغير ملامح صديقه، فشعر بالشفقة عليه لم يكتمه بقلبه، فحاول التخفيف عنه مثل كل مرة يأتي بها، جاذبًا إياه من بقعة اوجاعه، لحياة بسيطة هادئة..
نسيت اقولك ان اتعاركت للمرة مليون مع المدرسة جارتي.
ضيق سليم عيناه وهو يرمقه بمكر
ليال.
التقط سيف كوب الشاي يرتشف منه القليل، قائلاً بلامبالاة زائفة
أنا بحكيلك علشان تفك شويه.
هز سليم رأسه مؤكدًا على حديثه باستهجان
اممم، كمل..كمل.

صباحًا..
في إحدي العيادات الشهيرة، جلست منال وعلى وجهها ابتسامة واسعة، لقد نبض قلبها من جديد بسعادة بالغة، وذلك حينما ابلغتها شمس في الصباح باتصال سليم واخبارها بذهابهم لعيادة الدكتور المتابع لحالة والدته، لقد استطاع حجز معاد الساعة ١٠ بأعجوبة، تطلعت حولها بفخر وأكدت لنفسها أن مشاعره نحوها لم تتجمد بعد، مازالت هناك مساحة صغيرة تستطيع الاستمتاع بها، انتظرت قدومه على حد قول شمس، وهنا زاد من مفاجاتها لم تتوقع اهتمامه بها بعد جفائه ليلة امس.
تحركت الممرضة نحوهم، تخبرهم بميعاد دخولهم، فهمست منال قائلة
مش هنستنى سليم يابنتي.
حركت شمس رأسها بنفي تخبرها
الطريق زحمة اكيد هيتأخر يلا ندخل احنا.
تحركت منال مع شمس، وعيناها لا تفارق الباب أبدًا، تنتظر قدومه بفارغ الصبر، تشعر بحماس لرؤية عنايته بها، امورًا بسيطة ولكنها تطيب جروح عميقة تأصلت بروحهما.
دخلت شمس اولاً، ثم منال فرحب الطبيب بها، ونظراته مصوبه على شمس..التي شعرت بالخجل منه، فجلست بجانب منال تنزوي من نظراته الجريئة.. نظراته شملتها باعجاب واضح.
مين دي يا حجة؟، بنتك.
ردت منال بعفوية، قائلة
شمس بنتي...
كان حديثهم يتزامن مع دخول سليم للغرفة، فتجهم وجه، مغتاظًا من رد والدته، وذلك الطبيب المعتوه، دخوله اربك الطبيب الذي ابعد بصره بصعوبة عن شمس فلاحظ سليم ذلك، اما شمس توترت فجأة وكأنها تقدم على كارثة، ولكن رد فعل سليم جعل الدماء تتسرب من عروقها، حينما جذبها من يدها واجلسها بجانبه، قابضًا فوق اصابعها في تملك، محاولاً التحكم بنفسه كي لا ينفجر بوجه الطبيب، رغم ابعاد نظره عنها..
نهض الطبيب لغرفة الفحص مع منال والممرضة، بينما جلست شمس بجانب سليم ترمقه بنظرات حب وسعادة لغيرته، رغم أنه كان هادئًا يتجاهلها او كان يتظاهر بذلك، ولكن زادت نظراتها له، تنهد بصمت، وركز ببصره على غرفة الفحص، فلاحظ جسد الطبيب الذي كان يلتفت بين اللحظة والاخرى يخطف نظرة لشمس بطرف عيناه، ترك سليم يدها ثم حاوطها واضعًا كامل ذراعه حول كتفيها..
ابتعدت شمس عنه بخجل او حاولت هذا
سليم، مينفعش كده نزل ايدك من على كتفي..
همست بها وعيناها تحذره، فحرك رأسه رافضًا حديثها دون أن يتحدث، زمت شفتاها بضيق، ووجنتاها تعبر عن مدى خجلها..بينما ارتسمت بسمة صغيرة فوق ثغره، غير منتبهًا لانصهارها الشديد تحت قبضة يده.

تم نسخ الرابط