خطيبي قال لأمي: “لسه فاكرة اللي حصل بينا؟
خطيبي قال لأمي لسه فاكرة اللي حصل بينا؟الصينية وقعت من إيدي.
الكوبايات اتكسرت على الأرض، والعصير الأحمر فرش السيراميك كأنه دم، وأنا واقفة قدام باب الصالون مش قادرة أتنفس.
أمي كانت قاعدة على طرف الكنبة، وشها أبيض، إيديها مضمومة في حضنها، وعينيها بتتهرب من عينيه. أما هو خطيبي كريم كان واقف قريب منها زيادة عن اللزوم، مائل عليها بصوته الهادي اللي كان دايمًا يدوّبني.
بس المرة دي صوته ماكانش حنين.
كان صوته مليان سر.
سر وسخ.
سر قديم.
أول ما الصينية وقعت، الاتنين بصوا ناحيتي. أمي قامت مفزوعة وقالت
مريم!
أما كريم ففضل ثابت مكانه، كأنه كان مستنيني أسمع.
قلت وأنا صوتي بيترعش
إيه اللي حصل بينكم في الليلة دي؟
أمي فتحت بقها، بس مفيش كلمة طلعت. عينيها دمعت في ثانية، ووشها اتلوى كأن حد فتح جرح قديم بسكينة سخنة.
كريم بصلي وقال بهدوء
مريم، اسمعيني
صرخت
ماتنطقش اسمي! إنت كنت بتقول لأمي إيه؟ جسمك بيرتعش؟ الليلة دي؟ أنتوا كنتوا إيه؟
أمي حطت إيدها على صدرها وقالت
والنبي يا بنتي
لا يا ماما. بلاش والنبي. أنا سمعت بودني.
كنت حاسة إن كل حاجة حواليا بتقع. الخطوبة، الفستان اللي اخترته، الشقة اللي اتفرجنا عليها، كلامه عن الجواز، حضنه، غيرته، رسائله اللي كان يكتبلي فيها إنتي مراتي من قبل الورق.
كل ده اتلطخ في ثانية واحدة.
خطيبي واقف قدام أمي الأرملة، وبيسألها عن ليلة جسمها بيرتعش لما تفتكرها.
يعني إيه؟
يعني إيه غير المعنى اللي بيحرق الدماغ؟
أمي كانت أرملة من عشر سنين. ست محترمة، عمرها ما رفعت عينها في راجل بعد بابا. طول عمرها لابسة أسود من يوم وفاته، وعايشة لينا أنا وأخويا الصغير. وكنت أنا اللي بدافع عنها قدام الناس لما يقولوا لسه صغيرة وممكن تتجوز. كنت أقولهم أمي عمرها ما تفكر.
وطلعت أنا اللي هبلة؟
كريم قرب خطوة
مريم، اللي سمعتيه مش زي ما فهمتي.
ضحكت ضحكة طالعة من وجع
آه طبعًا. الجملة دي دايمًا بتتقال بعد المصايب. مش زي ما فهمتي. طيب فهمني. إيه اللي يخلي خطيبي يقول لأمي الكلام ده؟
أمي قالت وهي بتعيط
كريم، امشي.
بص لها وقال
مش همشي قبل ما تقولي الحقيقة.
قلت
حقيقة إيه؟
أمي سكتت.
كريم قال
اسأليها يا مريم. اسأليها عن ليلة فيلا الحاج مراد. اسأليها عن صوت الرصاص. اسأليها عن الراجل اللي مات قدامها.
رصاص؟
راجل مات؟
أنا بصيت لأمي، لأول مرة أحس إني مش عارفاها.
أمي اللي كانت تخاف من صوت الألعاب النارية.
أمي اللي كانت تصحى مفزوعة لو باب اتقفل جامد.
أمي اللي كانت تكره ريحة البرفان الغالي، وتقوللي ريحة الناس اللي بيخبوا قذارتهم.
قلت
ماما هو بيتكلم عن إيه؟
أمي هزت راسها
مش عايزة أرجع لليلة دي.
كريم رد بقسوة
وأنا عايش في الليلة دي من يوم ما اتولدت.
سكتنا كلنا.
كريم طلع من جيبه صورة قديمة، ورماها على الترابيزة.
صورة راجل في التلاتينات، لابس بدلة رمادي، ماسك طفل صغير. وشه كان فيه شبه واضح من كريم.
قال
ده أبويا. اسمه حسام الدمنهوري. اتقتل من 23 سنة في فيلا رجل أعمال اسمه مراد السيوفي. والقضية اتقفلت ضد مجهول. والوحيدة اللي شافت اللي حصل أمك.
أمي شهقت وقعدت على الكرسي كأن رجليها سابوها.
أنا بصيت لكريم
إنت جاي تخطبني عشان أمي؟
عينيه نزلت في الأرض.
ساعتها الحقيقة ضربتني أقوى من أي خيانة.
إنت ماحبتنيش؟
ما ردش.
سألته تاني
إنت دخلت حياتي عشان توصل لأمي؟
قال بصوت واطي
في الأول آه.
أنا رفعت إيدي وضربته بالقلم.
القلم طلع بكل وجعي. بكل رسالة حب صدقتها. بكل مرة كنت أقول لصاحبتي كريم مختلف. بكل مرة أمي كانت تبصله بخوف وأنا أفتكرها مش مرتاحة بس.
قلت
اطلع بره.
قال
مريم
بره!
خرج.
وأنا فضلت واقفة وسط الزجاج المكسور والعصير الأحمر، حاسة إن رجلي واقفة في دم مش عصير.
بعد ما الباب اتقفل، بصيت لأمي.
احكي.
قالت
مش دلوقتي.
قلت
دلوقتي يا ماما. إما تحكي، يا إما أنا هامشي ومش هتشوفيني تاني.
أمي رفعت وشها، وعيونها كان فيها رعب قديم. رعب مش من فضيحة، ولا من كلام الناس. رعب واحدة شافت موت بعينيها وسكتت عمر كامل.
قالت
أنا ماخنتش أبوكي.
قلت بمرارة
أنا ما سألتكيش السؤال ده.
بس ده اللي في عينك.
سكت.
أمي كملت
قبل ما أتجوز أبوكي، كنت شغالة مساعدة في مكتب محامي كبير. اسمه نبيل عاصم. المكتب كان بيشتغل مع رجال أعمال، قضايا عقارات، عقود شركات، تعويضات، تأمين، نزاعات ميراث. شغل كبير. وأنا كنت بنت عندي 22 سنة، محتاجة مرتب عشان أساعد جدتك.
قعدت قدامي وبدأت تحكي.
في ليلة، المحامي طلب مني أروح فيلا مراد السيوفي عشان أوصل ملف مهم. قاللي الورق لازم يتوقع الليلة دي، وفيه شيك كبير، ومينفعش يتأجل.
سألتها
مراد السيوفي مين؟
قالت
رجل أعمال. عقارات، استيراد، شركات تأمين، علاقات كبيرة. كان اسمه بيترعب منه ناس كتير. واللي يعاديه يختفي من السوق.
وحسام؟ أبو كريم؟
غمضت عينيها.
كان محاسب في واحدة من شركات مراد. اكتشف تحويلات بنكية مشبوهة، تزوير في عقود أراضي، وبوليصات تأمين حياة معمولة بأسماء ناس من غير علمهم. كان ناوي يسلّم ملف للنيابة.
وإنتي شفتيه؟
هزت راسها.
لما وصلت الفيلا، الدنيا كانت هادية بشكل يخوف. الخدم مش موجودين. الحرس برا. دخلوني أوضة مكتب كبيرة. لقيت حسام هناك، ومراد، والمحامي نبيل. كانوا بيتخانقوا. حسام كان ماسك ملف وبيقول مش همضي على تزوير. ومراد كان بيضحك.
أمي بدأت ترتعش فعلًا. نفس الكلمة اللي قالها كريم. جسمها كله كان بيرتعش.
مراد قال له أنت فاكر نفسك شريف؟ الشرف مايطعمش ابنك. وحسام قال له ابني لما يكبر يعرف إن أبوه مات راجل أحسن ما يعرف إنه عاش حرامي.
بلعت ريقها.
بعدها مراد طلع مسدس.
حسيت الدم بيهرب من وشي.
أنا كنت واقفة ورا الباب، مش قادرة أتحرك. المحامي نبيل شافني، وعمللي بإيده أسكت. حسام حاول ياخد الملف ويخرج. مراد ضربه.
سكتت.
أنا همست
قتله؟
أمي عيطت
قدامي. رصاصة واحدة. وقع على الأرض. عينه كانت مفتوحة. الملف وقع جنبه. وأنا أنا ماعملتش حاجة.
قلت
ليه ما شهدتيش؟
صوتها اتحول لهمس
لأن مراد شافني.
اتجمدت.
مسكني من دراعي وقاللي اللي شوفتيه لو خرج من بقك، أمك تموت، وإخواتك يموتوا، وإنتي هتتفضحي في قضية آداب قبل ما توصلي القسم. وقتها كنت بنت صغيرة، فقيرة، لو اسمي اتشوه محدش هيدافع عني. والمحامي اللي كنت شغالة عنده قاللي انسي. ده مش مستواكي. الناس دي تفرمك.
وسكتّي؟
سكت. واتجوزت أبوكي بعدها بسنة. حاولت أعيش. بس الليلة دي عمرها ما سابتني. كل صوت عالي يفكرني بالرصاصة. كل بدلة رمادي تفكرني بحسام. وكل مرة أشوف كريم
اتنهدت وهي بتعيط
أشوف أبوه.
هنا فهمت ليه أمي من أول يوم ما شافت كريم وهي مش مرتاحة. كانت تقوللي
فيه حاجة في وشه تقبض القلب.
وأنا كنت أفتكرها أم قلقة على بنتها.
سألتها
هو كريم عرفك إزاي؟
قالت
مش عارفة. بس أول ما دخل البيت أول مرة، عينيه قالتلي إنه عارف.
افتكرت أول زيارة. كريم كان جاي مع أهله. دخل بكل احترام، باس إيد أمي، بس فضل ماسكها ثواني زيادة. أمي سحبت إيدها بسرعة. أنا وقتها ضحكت وقلت ماما بتتكسف.
يا غبائي.
قلت
وليه ماحكيتيليش؟
قالت
كنت خايفة تخسري فرحتك. وخايفة لو فتحنا الموضوع، مراد يعرف. الراجل ده لسه عايش يا مريم. وأقوى من الأول.
مراد السيوفي.
الاسم بدأ يلف في دماغي. كنت شفته في إعلانات مشاريع سكنية فاخرة، مؤتمر استثمار، أخبار عن تبرعات لمستشفيات، مؤسسة خيرية باسمه، لقاءات تلفزيون عن دعم الشباب وريادة الأعمال. رجل أعمال محترم في نظر الناس.
وفي الحقيقة قاتل؟
سألتها
وكريم عايز إيه دلوقتي؟
قالت
عايز شهادتي. عايز