خطيبي قال لأمي: “لسه فاكرة اللي حصل بينا؟
دخل من شبابيك المخزن، وصوت
شرطة! محدش يتحرك!
الدنيا اتقلبت. الرجال جريوا، الشرطة دخلت، واحد اتقبض عليه، واحد حاول يهرب. كريم فك أمي، وأنا حضنتها.
مراد ما جريش.
وقف يظبط كم بدلته كأنه واثق إن كل ده مش هيكمل.
قال للضابط
إنت عارف أنا مين؟
الضابط رد
آه. عشان كده جايين بأمر ضبط وإحضار.
الملف اتفتح.
مش بسهولة، لا. مراد استخدم كل نفوذه. محامين كبار، أخبار مضادة، اتهامات إن كريم بيبتزه، وإن أمي شاهدة مختلة نفسيًا، وإن ياسر عايز ينتقم لموت أبوه. صفحات على السوشيال بدأت تكتب رجل أعمال شهير ضحية مؤامرة.
ناس قبضت فلوس عشان تشوهنا.
ناس قالت إن أمي كان بينها وبين حسام علاقة قديمة.
ناس قالت إن كريم خطبني عشان يستولي على ميراثي.
الكلام القذر كان أسهل من الحقيقة.
بس المرة دي كان فيه دليل.
شريط حسام.
ورقة التحويلات.
شهادة أمي.
تسجيل مراد في المخزن وهو بيعترف ضمنيًا.
أوراق التأمين المزورة.
وحاجات تانية طلعت مع التحقيق.
شركة التأمين فتحت تحقيق. البنك قدّم بلاغات. ناس تانية ظهرت تقول إن مراد استولى على أراضيهم بعقود مزورة. قضية قتل حسام بقت باب لقضايا تانية غسيل أموال، تزوير، ابتزاز، استيلاء على عقارات، تعويضات بالملايين.
أما أنا وكريم
فالحكاية بينا بقت جرح مفتوح.
بعد القبض على مراد، كريم حاول يكلمني. اتقابلنا في كافيه هادي. كان شكله مكسور أكتر من أي وقت.
قال
أنا آسف. أنا عارف إن آسف قليلة.
قلت
قليلة جدًا.
أنا فعلاً حبيتك.
قلت
يمكن. بس أنا مش عارفة أحب نسخة منك دخلت حياتي بكذبة.
قال
لو رجع بيا الزمن، كنت هقولك من الأول.
بس الزمن ما بيرجعش.
سكتنا.
قال
هستناك.
قلت
ماتستناش. عيش. دور على حق أبوك. واجه القضية. بس أنا محتاجة أرجع أثق في نفسي الأول. عشان أنا لما حبيتك، ماخدتش بالي إنك بتفتح باب بيتنا على سر مدفون.
عينيه دمعت.
أنتي كنتي أنضف حاجة في الخطة الوسخة دي.
قلت
ودي المشكلة. إني كنت في خطة أصلًا.
مشيت.
القضية فضلت شهور. أمي شهدت في المحكمة. كانت واقفة بترتعش، بس صوتها كان واضح.
أنا شفت مراد السيوفي يقتل حسام الدمنهوري.
الجملة اللي اتأخرت 23 سنة طلعت أخيرًا.
كريم كان قاعد ورا، عينه على أمي، مش بكره بشكر. يمكن لأنه أخيرًا سمع الجملة اللي كان مستنيها من طفولته.
بعد الجلسة، أمي خرجت، وقفت قدام كريم وقالت
سامحني.
قال
إنتي كنتي خايفة.
قالت
الخوف مش عذر.
رد
بس الحقيقة لما بتتقال، حتى لو متأخرة، بتفتح قبر كان مقفول على ظلم.
أمي عيطت. وهو لأول مرة حضنها. حضن ابن لشاهدة سكتت، لا عاشق ولا خطيب ولا خيانة. حضن موجوعين جمعتهم ليلة موت.
بعد سنة، صدر الحكم الأول ضد مراد في قضايا التزوير وغسيل الأموال، ولسه قضية القتل ماشية بسبب قدم الواقعة، لكن الملف ما اتقفلش. شركات التأمين طالبت بتعويضات. عائلات رفعت قضايا استرداد أراضي. اسم مراد اللي كان على إعلانات المدن الفاخرة بقى على صفحات الحوادث.
أمي اتغيرت. بقت تنام أحسن. لسه بتخاف من الأصوات العالية، بس مبقتش تسكت. بدأت تروح جلسات علاج نفسي، وتقول
أنا عشت عمري فاكرة السكوت نجاة. طلع السكوت سجن.
وأنا؟
أنا اتعلمت إن الجملة اللي ممكن تبان فضيحة، ساعات تبقى مفتاح جريمة. وإن الإيحاء اللي يشد القارئ من أول سطر، ممكن يخبي وراه وجع أكبر من الخيانة.
بعد فترة، قابلت كريم صدفة قدام المحكمة. كان خارج ومعاه محاميه. وقف لما شافني.
قال
إزيك؟
قلت
بحاول.
قال
وأنا.
سكتنا.
كان فيه كلام كتير ممكن يتقال. حب، عتاب، ندم، احتمال. لكن ولا كلمة كانت كفاية.
قال
لسه لابسة الدبلة؟
بصيت لإيدي. كنت فعلًا لابساها في سلسلة حوالين رقبتي، مش في صباعي.
قلت
مش عشان الخطوبة. عشان أفكر نفسي إن أي حاجة بتلمع لازم أسأل جواها إيه.
ابتسم بحزن.
حكمة قاسية.
قلت
من قصة قاسية.
سأل
ممكن في يوم نبدأ من غير كذب؟
بصيت له طويل. كريم كان غلطان، آه. بس كان موجوع. وأنا كنت لسه مش قادرة أقرر إذا الوجع يبرر الخداع ولا لأ.
قلت
اليوم ده لو جه، هييجي بعد ما كل واحد فينا يبطل يعيش في الليلة دي.
ومشيت.
يمكن نرجع. يمكن لا. بس المؤكد إن البنت اللي وقعت صينية العصير يوم سمعت خطيبها يقول لأمها لسه جسمك بيرتعش لما تفتكري الليلة دي؟ ماتت في اللحظة دي.
واللي عاشت بعدها واحدة تانية.
واحدة عرفت إن الكلام الموحي مش دايمًا دليل خيانة.
وإن الأم اللي بتنهار مش دايمًا مذنبة.
وإن الراجل اللي بيحبك ممكن يكون بيستخدمك حتى لو قلبه اتعلّق بيكي فعلًا.
وإن رجال الأعمال اللي صورهم على الإعلانات مش دايمًا بناة مستقبل؛ ساعات يبنوا مدن كاملة فوق قبر راجل شريف.
أما أمي، فكل ما تيجي سيرة الليلة، ما بترتعشش زي زمان.
بتاخد نفس طويل وتقول
أيوه، فاكرة. بس المرة دي مش خايفة.
وساعتها بس بحس إن حسام الدمنهوري مات من 23 سنة، لكن صوته أخيرًا وصل.
وصل عن طريق ابنه.
وعن طريق أمي.
وعن طريقي أنا البنت اللي افتكرت إنها كشفت خيانة، فطلعت فاتحة باب العدالة
تمت.
تمت.