رواية زهره في جوف العتمه الحلقه_الثامنه بقلم نور محمد حصريه وجديده
رواية زهره في جوف العتمه الحلقه_الثامنه بقلم نور محمد حصريه وجديده
جبل الزبالين؟ إنت متأكد يا واد إنهم دخلوا بيت جابر العفي؟ ده الواد ده لوحده بكتيبة، والمنطقة دي مفيهاش حكومة، دول بياكلوا الزلط!
يا معلم سيد، قسماً بالله العظيم شفتهم بعيني! الواد كان سايح في دمه والبت متغطية وراه بعباية سودة، وقع على بابه، وجابر العفي شاله دخله جوه وقفل الباب الخشب بالضبة. حلاوتي فين بقى يا معلم زي ما وعدتني؟
ابتسم المعلم سيد ابتسامة شيطانية، ورمى للواد الصغير ورقة بميت جنيه في التراب.
حلاوتك هتاخدها كلها لما أطلع البت دي من حضن الجبل. اسمع ياد إنت وهو، جابر ده راجل غشيم ومبيخافش، بس معاه أم عجوزة بيخاف عليها من الهوا الطاير. إحنا هنحاصر الحارة، نكتم على نفسهم، ولو لزم الأمر نولع في البيت باللي فيه. المليون جنيه مبقتش بعيدة يا رجالة، بس عاوزين حكمة وعين مفتحة.. يلا بينا على منشية ناصر!
جوه بيت جابر، الدنيا كانت مقلوبة. البيت البسيط اللي جدرانه من الطوب الأحمر من غير محارة، كان مليان ريحة بن ومرهم وشاش.
جابر حط أيوب على كنبة في الصالة، وكان بيجري زي الملسوع يجيب قطن ومطهر.
يا أُمااااه! يا أُمااااه إلحقيني بسرعة! جابر كان بيزعق بأعلى صوته.
طلعت الحاجة دولت، ست كبيرة في السن، وشها مليان تجاعيد بس ملامحها فيها طيبة وحزم بتوع ستات البلد الجدعان، لابسة جلابية بيتي وطرحة بيضا. أول ما شافت الدم مغرق الكنبة، ضربت على صدرها بخضة.
يا مري! إيه الدم ده كله يا جابر؟ مين الواد اللي بيموت ده؟
ده أيوب يا أُمااه.. صاحبي وأخويا اللي حكيتلك عنه في الجيش، اللي شالني على كتفه لما اتصابت في التدريب. الواد بيموت بين إيديا، هاتي ماية مغلية وبن بسرعة نكتم الجرح!
في الزاوية، كانت فتنة متكورة على نفسها في الأرض، ضامة ركبها لصدرها، وبتبص لأيوب وعينيها بتنزل شلالات دموع من غير صوت.
العباية السودة كانت لسه عليها، بس الطرحة وقعت من على وشها. الحاجة دولت، وهي بتجري تجيب الماية، عينها وقعت على فتنة. وقفت مكانها مسمرة. الجمال اللي شافته مكنش طبيعي، بس الرعب اللي في عينيها كان يخطف القلب ويقطعه حتت.
مين دي يا ابني؟ ومين اللي عامل فيهم كده؟ دي عينيها فيها رعب يكفي بلد بحالها! قالتها الحاجة دولت وهي بتقرب من فتنة بحذر.
أول ما دولت قربت، فتنة انتفضت، وطلعت صوت زمجرة خفيفة، ورجعت بضهرها لزقت في الحيطة، وحطت إيديها فوق راسها بتحمي نفسها من ضربة متوقعاها.
سيبك منها دلوقتي يا أُمااه أبوس إيدك، خلينا في الواد اللي روحه بتطلع ده!
جابر قالها وهو بيضغط بحتة قماشة على جبهة أيوب بقوة.
دولت سابت فتنة، وجريت تساعد ابنها. غسلوا الجرح، كتموه بالبن عشان النزيف يقف، ولفوا راسه بشاش نضيف. حرارة أيوب كانت عالية جداً، وجسمه كله كان بيتنفض. جابر قلع أيوب قميصه المليان دم عشان يريحه، وبدأ يمسح جسمه بفوطة مبلولة.
عند فتنة. البنت اللي متعودتش على وجود بشر غير اللي بيعذبوها، كانت بتراقب كل حركة من جابر وأمه.
شافت إزاي دولت كانت بتمسح على شعر أيوب بحنية وهي بتسمي الله. شافت إزاي جابر كان بيبص لصاحبه بخوف ولهفة. المفهوم ده كان غريب على عقلها اللي اتبرمج على إن البشر يعني ألم وعتمة.
بس لما شافتهم بيعالجوا أيوب، نفس الراجل اللي عالجها وحماها، هديت شوية.
أيوب.. همست فتنة بصوت ضعيف، وزحفت على الأرض ببطء، لحد ما وصلت جنب الكنبة.
جابر كان هيزعق فيها ترجع لورا، بس أمه مسكت إيده ومنعته.
سيبها يا جابر.. البت دي روحها متعلقة بيه.
فتنة مدت إيدها المرتجفة، ومسكت إيد أيوب الباردة اللي متدلدلة من على الكنبة. حطت إيده على خدها، وأغمضت عينيها، وبدأت تعيط بصوت مكتوم بيقطع النياط.
أيوب يعيش.. أيوب قال مش هيسيب فتنة.. عتمة لا. كانت بتهمس بالكلمات دي بخفوت.
الحاجة دولت مقدرتش تمسك دموعها. قلب الأم جواها اتحرك بقوة. قعدت على الأرض جنب فتنة، وبصت للعباية المقطعة اللي لابساها، وللتراب اللي مغطيها، وللجروح القديمة اللي باينة في كعب رجلها.
يا حبيبة عيني.. إنتي شفتي إيه في دنيتك يخليكي بالحالة دي؟ همست دولت، ومدت إيدها ببطء شديد، ولمست شعر فتنة الأسود.
اللمسة دي كانت زي السحر. فتنة فتحت عينيها، وبصت للست العجوزة. ملامح دولت المليانة تجاعيد، ونظرة عينيها اللي بتفيض حنية، كل ده لمس وتر حساس جداً جوه فتنة. وتر قديم أوي، من 14سنة.
أبوها كان بيحبها، بس ماما كانت بتحضنها. اللمسة دي فكرتها بأمها اللي ماتت وهي صغيرة قبل ما تتخطف.
بدون مقدمات، فتنة رمت نفسها في حضن الحاجة دولت. كلبشت في جلابيتها، وخبّت وشها في صدرها، وبدأت تصرخ من البكاء. بكاء طفلة تايهة لقت حضن أمها بعد سنين من الضياع.
دولت اتخضت في الأول، بس بعدين لفت دراعاتها حوالين البنت، وبدأت تطبطب على ضهرها وتقرأ لها قرآن وتمسح على راسها.
بس يا بنتي.. بس يا قلب أمك.. إنتي في أمان. ربنا جابك هنا عشان نكون أهلك. عيطي وطلعي كل القهر اللي جواكي.
جابر كان واقف بيبص للمشهد ده ومصدوم. هو راجل جبل مبيتهزش، بس المنظر ده خلى عينه تدمع. مسح وشه بإيده وراح ناحية الشباك الخشب يبص على الحارة، إحساس بتاعه كان بيقوله إن الهدوء ده وراه