رواية زهره في جوف العتمه الحلقه_العاشره_والحاديه_عشر بقلم نور محمد حصريه وجديده
رواية زهره في جوف العتمه الحلقه_العاشره_والحاديه_عشر بقلم نور محمد حصريه وجديده
الدم ده كله ومش راضي يفطس؟ ده بسبع أرواح يا جدع!
يا عم سيبه يرمي جثته في الصحراوي وريحنا، الباشا مستني التمام والمكافأة هتتوزع علينا.
طب دقيقة أولع سيجارة قبل ما ننزله... إيه ده؟ هو الصوت ده طالع منين؟
صوت إيه؟... حاسب يا غبي! الجنزير! الواد بيفك الجنزير!
الكلمات دي كانت بتتردد جوه عربية الجيب السودة اللي بتشق طريق مصر الإسكندرية الصحراوي في عز العتمة. السواق كان بيبص في المراية، والبلطجي اللي جنبه كان بيلف وشه لورا، بس الرؤية كانت ضبابية من دخان السيجارة وضعف النور.
في أرضية العربية، أيوب مكنش مجرد بيفك الجنزير.. أيوب كان بيفدي حريته بجلده ولحمه.
أيوب كان بيسحب كفوف إيديه المربوطة ورا ضهره من جوه الحلقات الحديدية الضيقة جداً.
الحديد كان بياكل في الجلد، الدم السخن كان بينزف بغزارة وبيشتغل زي زيت بيزحلق الحديد من على معصمه. كل سحبة كانت بتعادل طلوع الروح، بس قدام عينه كانت صورة واحدة مبتفارقوش.. صورة فتنة وهي بتبتسم بكسرة وبتقوله
عيش يا أيوب.. عيش في النور.
الواد فك إيده! وقف العربية بسرعة! البلطجي اللي قدام صرخ، وطلع مسدسه ولف نصه اللي فوق عشان يضرب أيوب.
بس أيوب كان أسرع من رصاصهم، وأشرس من موتهم. قبل ما البلطجي يوجه المسدس، أيوب نط من أرضية العربية زي النمر الجريح، ولف الجنزير الحديد اللي لسه في إيده اليمين حوالين رقبة البلطجي من ورا الكرسي، وشده بكل ما أوتي من غضب وقهر ويقين.
آآآه! البلطجي أسقط المسدس وبدأ يرفس وهو بيختنق، وشه ازرق وعينيه جحظت.
السواق اتخض، فقد السيطرة على الدريكسيون. العربية الجيب الضخمة بدأت تتمايل يمين وشمال على الأسفلت بسرعة ١٢٠ كيلو في الساعة.
الإطارات صرخت وهي بتحتك بالأرض، السواق حاول يفرمل بس العربية لفت حوالين نفسها، وضربت في الحاجز الرملي اللي على يمين الطريق، واتقلبت على جنبها في سحابة من التراب والرمال.
الازاز اتكسر، والصوت كان عامل زي انفجار قنبلة.
مرت دقايق من الصمت التام، مفيش غير صوت الموتور اللي بيطلع دخان.
من بين الحطام، ظهرت إيد بتنزف، مسكت في حافة الباب المقلوب، ورفعت صاحبها. أيوب خرج من العربية زحف. كان بينهج، وشه نصه متغطي بالدم، هدومه عبارة عن خرق، وجسمه كله كدمات وجروح. بس عينه.. عينه كانت بتلمع بنار لو نزلت على جبل تساويه بالأرض.
البلطجي اللي كان بيخنقه مات في الحادثة. السواق كان لسه عايش، محشور بين الكرسي والدريكسيون، وبينزف من راسه وبيئن بوجع.
أيوب مد إيده وسحب المسدس اللي وقع من البلطجي، وبعدين راح ناحية السواق. مسكه من ياقة قميصه وشده بقوة خلت السواق يصرخ.
الڤيلا بتاعة عزت فين؟ انطق يا كلب بدل ما أدفنك هنا! أيوب صوته كان أجش، طالع من أعماق صدره زي الموت.
السواق كان بيرتجف، الرعب من منظر أيوب كان أقوى من وجع الحادثة. في.. في طريق المنصورية.. ڤيلا كبيرة معزولة وراها مزارع مانجا.. اسمها قصر الباشا.. أبوس إيدك متقتلنيش!
أيوب ضربه بظهر المسدس على راسه خلاه يفقد الوعي تماماً. سحبه ورماه على الرمل، وعدل العربية الجيب اللي كانت مقلوبة على جنبها.
سبحان الله، قوة الغضب بتدي الإنسان طاقة متتوصفش. أيوب ركب العربية، الموتور كان بيزيق والكبوت متطبق، بس دارت.
داس بنزين بأقصى سرعة. مش حاسس بوجع، مش حاسس بنزيف، قلبه كان بيسبق العربية.
أنا جي يا فتنة.. وحق لا إله إلا الله ما هسيبهم يتهنوا بدمعة واحدة نزلت من عينك.
في نفس الوقت، في بطن جبل الدويقة، كان المشهد مأساوي.
جابر العفي كان نايم على الأرض في الصالة بتاعة بيته، ودمه مغرق الحصيرة. الحاجة دولت كانت بتصرخ وتبكي وهي بتكتم جرحه بحتة قماشة مليانة بن.
يا جابر يا ابني متسيبنيش.. يا لهوي يا ناس، ابني بيموت!
جابر فتح عينيه بصعوبة. الألم كان بيمزق جنبه اليمين، بس عقله كان رافض يستسلم.
أُماااه.. متعيطيش.. أنا لسه فيا الروح.
قالها وحاول يسند على كوعه عشان يقوم.
إنت بتعمل إيه يا مجنون! الرصاصة في لحمك هتنزف لحد ما تموت، إحنا لازم نوديك مستشفى الحسين دلوقتي!
مستشفى إيه يا حاجة.. ده أنا لو مت هبقى أريح.
جابر جز على أسنانه، ولف حتة قماشة تانية وربطها على وسطه وجنبه بقوة عشان يضغط على الجرح، ووقف وهو بيسند على الحيطة. وشه كان أصفر زي الليمونة، بس عينه فيها شرار.
يا جابر عشان خاطري!
الشرف غالي يا أُمااه.. البت اتسحبت من على أرضي، وضيفي اتضرب قدام عيني.. لو قعدت أحط مرهم وأبكي زي النسوان، يبقى بطن الأرض أولى بيا.
جابر سحب عكاز خشب قديم بتاع والده الله يرحمه، وخرج بره البيت. الحارة كانت مليانة برجالة المنطقة اللي اتجمعوا على صوت الرصاص.
زبالين، عمال خردة، سواقين نص نقل، شباب شقيانة ملامحهم محفورة بالشقاء والرجولة.
يا رجالة الجبل! جابر زعق بأعلى صوت يقدر يطلعه، صوته كان بيرن في الحواري الضيقة.
الكل سكت وبصله باحترام.
إحنا بناكل من الزبالة.. بنلم الخردة اللي الناس بترميها.. بس عمرنا ما رمينا شرفنا! عمرنا ما كلنا من حرام ولا سيبنا ضيف يتهان في وسطينا!
النهارده، كلاب السبتية دخلوا أرضنا، ضربوني بالنار، وأخدوا بنت مسكينة يتيمة لا حول لها ولا قوة، وأخدوا صاحبي يقتلوه غدر. اللي شايف إن دي إهانة ليه قبل ما تكون إهانة ليا.. يجهز سلاحه وعربيته. واللي خايف، يدخل يقفل على نفسه بابه ومحدش هيلومه.
سكون تام سيطر على الحارة لثواني. وبعدين، واحد من أقدم عمال المنطقة، راجل كبير بس عضلاته زي الفولاذ، ضرب بفأسه على الأرض وقال
والله ما عاش ولا كان اللي يعلم على رجالة الدويقة ونسكتله. إحنا وراك يا جابر، لو هندخل جهنم نفسها.
في أقل من عشر دقايق، كانت الحارة بتغلي. أكتر من عشرين عربية نص نقل متهالكة، بس مليانة رجالة قلوبها ميتة، ماسكين مواسير، سلاسل، شوم، وبنادق صيد قديمة. جابر ركب في أول عربية، وسند راسه على الشباك.
على طريق المنصورية يا رجالة.. الليلادي الجبل هيتحرك من مكانه.
بعيد عن دوشة الجبل والصحراوي، في ڤيلا عزت بيه على طريق المنصورية.
الهدوء كان مرعب. الڤيلا من جوه كانت أشبه بقصر ملكي، رخام بيلمع، نجف كريستال ضخم بيخطف العين، أثاث مدهب، ولوحات غالية جداً.
بس وسط كل الفخامة دي، كانت ريحة القسوة معششه في الجدران.
باب الڤيلا الضخم اتفتح. المعلم سيد دخل، ووراه اتنين من البلطجية بيسحبوا فتنة.
التباين بين المكان وبينها كان يوجع القلب. فتنة كانت حافية، رجليها مليانة طين ودم من الجري في الجبل، عبايتها السودة متقطعة، والجلابية اللبني اللي تحتها باينة. شعرها منكوش، ووشها عليه كدمة زرقة من قلم المعلم سيد.
أول ما دخلت، النور القوي بتاع النجف ضرب في عينيها. بيكشف عري روحها ورعبها. بدأت تترعش وتكش في نفسها، وحاولت تحط إيديها على وشها بس كانوا مكتفينها لورا.
على سلم الڤيلا الرخام، كان نازل راجل في أواخر الخمسينات. لابس بدلة غالية جداً، شعره رمادي متسرح بعناية، وماسك في إيده كاس. ملامحه كانت باردة، وعينيه سودة مفيهاش ذرة رحمة. ده كان عزت بيه.
أهلاً.. أهلاً بصاحبة الأملاك.. أهلاً بالوريثة الشرعية لشركات مرزوق الحديدي.
عزت