رواية زهره في جوف العتمه الحلقه_العاشره_والحاديه_عشر بقلم نور محمد حصريه وجديده

لمحة نيوز

قالها بصوت ناعم بس مليان سم، وهو بينزل السلالم ببطء.
المعلم سيد ابتسم بانحناء. الأمانة وصلت يا باشا زي ما أمرت. والواد الغفير زمانه بيشطب دلوقتي على الصحراوي.
لما فتنة سمعت سيرة أيوب، رفعت راسها فجأة. عينيها الخضرا اللي ورثتهم عن أمها اتقابلت مع عيون عزت. عزت وقف مكانه للحظة، الكاس اتهز في إيده.
الشبه بينها وبين أمها، وبين مرزوق أبوها، كان كفيل يصحى أسوأ شيطان جواه.
نسخة من أمك.. نفس العيون اللي رفضتني زمان واختارت أبوكي. عزت همس لنفسه بمرارة وحقد قديم.
قرب منها، ومسك دقنها بقوة ورفع وشها. كبرتي يا فتنة. 14سنة في البدروم مكسروش الجمال ده؟ كنت فاكرك هتموتي من الجوع أو الخوف، بس طلعتي بسبع أرواح زي أبوكي.
فتنة بصقت في وشه تاني. إنت قتلت بابا.. نار ودم.. إنت شيطان!
عزت مسح وشه بمنديل ببرود. أبوكي هو اللي كان غبي. كان فاكر نفسه شريف، رفض يدخل معايا في صفقات السلاح، وكان عاوز يسلمني للحكومة ويستحوذ على الشركة لوحده. كان لازم يموت. ولما مات، اكتشفت إنه كاتب كل ثروته، القصر والمصانع والأراضي، باسمك إنتي، وحاطط بند إن لو حصله حاجة، محدش يتصرف في مليم غير لما إنتي تتمي ٢١ سنة، ولو متي، الفلوس تروح لجمعيات خيرية.
عزت ضحك ضحكة مكتومة ومخيفة. عشان كده مقتلتكيش. كان لازم تفضلي مفقودة مش ميتة. كان لازم تفضلي عايشة زي الحيوانات في الضلمة، لحد ما تتمي السن القانوني، وأجبرك تبصمي على التنازل عن كل حاجة، وبعدها.. أدفنك جنب أبوكي. بس إنتي هربتي، وجبتيلي الصداع.
عينه نزلت على رقبتها، لمح طرف السلسلة الفضة باين من تحت هدومها. السلسلة اللي فيها الدليل والورقة الوحيدة اللي بتثبت نسبها واللي كانت أمها مخيطاها في هدومها يوم الحادثة.
مد إيده وشد السلسلة بقسوة. فتنة صرخت ورفست برجليها. لا! دي بتاعت ماما! سيبها!
عزت قطع السلسلة من رقبتها، ورفعها قدام عينه. السلسلة دي هي روحك يا حلوة. من غيرها، إنتي ولا حاجة. مجرد بنت مجنونة جاية من الشارع.
أيوب قال السلسلة أمان.. أيوب جاي. فتنة قالتها وهي بتبكي، بس فيها نبرة تحدي غريبة عليها. كانت متمسكة بالأمل الأخير.
عزت ضحك بصوت عالي. أيوب؟ الغفير الجربان؟ يا حبيبتي حبيبك دلوقتي الرصاص كل دماغه، والكلاب بتنهش في لحمه على الأسفلت. مفيش أيوب، مفيش نور، مفيش غير العتمة اللي هترجعيها لحد ما تبصمي.
الكلمات نزلت على قلب فتنة زي الصخرة. الإحساس باليأس بدأ يسحبها لتحت. هل فعلاً أيوب مات؟ هل تضحيتها راحت هدر؟ الركبتين بتوعها سابوا، ووقعت على الأرض الرخام بتبكي بصوت يقطع نياط القلب، أنين بيزلزل الجدران الباردة.
ارموها في قبو الڤيلا تحت. عزت أمر رجالته وهو بيلف ضهره ليهم وبيشرب من كاسه. وبكرة الصبح تجهزوا ورق التنازل، هتبصم عليه وهي بتبوس رجلينا.
المعلم سيد والرجالة قربوا عشان يشيلوها من على الأرض.
بس في اللحظة دي.. حصل حاجة شلت الدم في عروقهم كلهم.
صوت انفجار مرعب هز الڤيلا كلها لدرجة إن النجف اتهز بشدة وكاس عزت وقع من إيده اتكسر ميت حتة.
البوابة الحديدية الضخمة بتاعة الڤيلا من بره مابتتفتحش، دي طارت من مكانها! عربية جيب سوده، اقتحمت البوابة بأقصى سرعة، وفضلت مكملة في الحديقة بتدهس كل حاجة قدامها لحد ما خبطت في السلالم الرخام بتاعة المدخل الخارجي ووقفت.
الحرس بتوع الڤيلا بره بدأوا يجروا ويصرخوا ويوجهوا سلاحهم ناحية العربية.
الباب بتاع العربية اتفتح ببطء.
نزل منه أيوب.
المنظر كان مهيب. أيوب مكنش مجرد شاب بسيط دلوقتي. دمه اللي نازل من راسه، القميص الممزق بيكشف عن عضلات مشدودة من الغضب.
في إيده اليمين مسدس، وفي إيده الشمال ماسك جنزير حديد طويل ملفوف على كفه. كان بيمشي بخطوات ثابتة ومرعبة ناحية باب الڤيلا الداخلي، كأنه مبيحسش بالرصاص اللي الحرس بيجهزوه.
مين ده؟ الواد ده لسه عايش إزاي؟ المعلم سيد صرخ برعب وهو بيطلع سلاحه.
عزت بيه وشه جاب ألوان. اقتلوه! اقتلوه مكانه!
تلاتة من الحرس بره ضربوا نار ناحية أيوب. بس أيوب كان بيتحرك بمرونة مستحيلة. استخبى ورا عمود رخام ضخم في المدخل، وطلع ضرب رصاصتين بدقة رهيبة، وقع اتنين من الحرس في رجليهم.
أما الحارس التالت اللي حاول يقرب، أيوب لف الجنزير الحديد في الهوا ونزل بيه على إيد الحارس طير السلاح منها، وبعدين ضربه برجله وقعه على الأرض.
جوه الڤيلا، فتنة سمعت الرصاص، وسمعت الزعيق. رغم الرعب، قلبها دق بسرعة جنونية. هي تعرف طاقة الغضب دي، هي حست بيها قبل كده.
أيوب؟ همست وهي بترفع راسها، والدموع وقفت في عينيها.
أيوب وصل للباب الكبير بتاع صالة الڤيلا. الباب كان مقفول. رفع رجله، وبكل القوة اللي استمدها من إيمانه وحبه وغضبه، ضرب الباب ضربة كسرته نصين.
دخل الصالة.
المعلم سيد ورجالته رافعين السلاح، وعزت بيه واقف وراهم بيرتجف من هول الصدمة. وفي النص، فتنة مرمية على الأرض المكتفة، بتبص لأيوب وعينيها بتلمع بنور الحياة اللي رجعلها من تاني.
أنا قولتلك يا سيد.. أنا روحي مش في إيدك. أيوب قالها بصوت هادي جداً، بس صوته كان أقوى.
عينه وقعت على فتنة. شاف دموعها، شاف وشها المضروب، وشاف إنها لسه مكتفة. العرق والدم اللي على وشه مأخفوش النظرة الحنينة اللي بصلها بيها للحظة، كأنه بيطمنها أنا هنا، خلاص.
وبعدين عينه اتحولت لعزت بيه. شاف السلسلة الفضة في إيده.
سيب الأمانة يا كافر. أيوب قالها وهو بيرفع المسدس في وش عزت.
سيد ضحك بتهور. إنت معاك مسدس فيه طلقتين، واحنا هنا خمسة غير الحرس اللي بره اللي بيجمعوا نفسهم. هتموت برضه يا بطل.
ومين قال إني جاي أموت لوحدي؟ أيوب ابتسم بسخرية، ورفع صباعه وشاور لبره.
في اللحظة دي، صوت زمامير عربيات ملى المكان. عشرين عربية نص نقل محملة برجالة جبل الزبالين اقتحموا البوابة المكسورة وسدوا مداخل الڤيلا كلها.
نزل الرجالة زي السيل، في إيديهم شوم ومواسير وسلاسل. وفي مقدمتهم، جابر العفي، ساند على عكازه الخشب، ماسك شومة غليظة في إيده السليمة، وبينهج، بس بيبتسم ابتسامة النصر.
إحنا رجالة الجبل يا شوية رمم! اللي له حق عندنا ينزل ياخده!
جابر صرخ، والرجالة هجموا على الحرس اللي بره، الكترة والغل اللي في قلوبهم كانوا كفيلين يكتفوا كل حراس الڤيلا في ثواني.
جوه الصالة، سيد ورجالته نزلوا سلاحهم لما شافوا المنظر من القزاز. الرعب سيطر عليهم.
أيوب مشي ببطء ناحية المعلم سيد. سيد حاول يرفع مسدسه، بس أيوب كان أسرع. ضربه بظهر المسدس على وشه وقعوا على الأرض فاقد الوعي. البلطجية التانيين رموا سلاحهم ورفعوا إيديهم باستسلام.
أيوب راح لفتنة. نزل على ركبته، وفك الحبل اللي في إيديها بسرعة.
أول ما إيديها اتفكت، اترمت في حضنه، كلبشت في رقبته كأنها بتغرق وهو طوق النجاة الوحيد.
أيوب مجابش عتمة.. أيوب جاب نور.. أيوب ميموتش. كانت بتبكي وتضحك في نفس الوقت.
مفيش عتمة تاني يا فتنة.. خلاص.. كابوسك خلص لحد هنا. أيوب طبطب على ضهرها، وسندها عشان تقف.
عزت بيه كان بيحاول ينسحب بهدوء ناحية السلالم، بس أيوب وجه المسدس ناحيته
اقف مكانك يا عزت. نهايتك مش هتبقى رصاصة مريحة مني. نهايتك هتبقى في نفس المكان اللي رميت
تم نسخ الرابط