جوزها رماها في المحطه كاملة
جوزها رماها في المحطه كاملة
بعد ما جوزي رماني في موقف الأتوبيس من غير ولا مليم ولا حتى معايا تليفوني، وهو بيقولي إنه بيعمل كده عشان يعلمني المسؤولية، قربت مني ست عجوزة كفيفة وهمستلي اتصرفي كأنك حفيدتي.. سواقي جاي في الطريق. جوزك ده ما يعرفش هو رماكي مع مين بالظبط.
طارق زق باب العربية من ناحيته وهو قاعد ورا الدريكسيون كأني مجرد حمل تقيل عليه وزهق من شيله.
انزلي يا علا.
ورايا كان فيه مظلة أتوبيس مكسرة، ويافطة معوجة، ورصيف مشقق، وشارع فاضي وضلمة عمري ما شفته قبل كده. وعلى الناحية التانية من الطريق، كان فيه دكان مقفول بألواح خشب وورا قضبان حديد.
همست بدموع طارق، عشان خاطري.. أنت بتعمل كده ليه؟
شد شنطة إيدي من حجرى بعنف.
طلع منها محفظتي الأول.. بعدين فيزا المشتريات، وكروت البنك، والاثنين وثلاثين جنيه اللي كنت محوشاهم، وفي الآخر تليفوني.
قال ببرود وهو بيبصلي لازم تتعلمي قيمة الفلوس.. اتصرفي بقى واعرفي هترجعي البيت إزاي.
الدموع غمت عيني ومبقتش شايفه قدامي.
الصبح ده، كان بيتهمني إني بضيع الفلوس وبصرفها في الهيافة عشان بس اشتريت طلبات البيت، وبنزين، وهدية بتمانين جنيه لأمي اللي كانت لسه بتتعافى من عملية جراحية.. كل الموضوع كان بطانية دافية وشوية كتب.
بس بالنسبة لطارق، ده كان كفيل إنه يعملي محاكمة.
وقال لما تبقي جاهزة تتأسفي بالطريقة الصح.. تبقي نتكلم.
وداس بنزين ومشي.
قعدت على الدكة دي ساعات.
أتوبيسات تيجي وأتوبيسات تمشي.. السواقين كانوا يبصوا عليا، بس كنت بهز رأسي برفض لأني مكنش معايا تمن التذكرة، ولا تليفون، ولا طريقة أشرح بيها إن جوزي سابني هنا عقابًا ليا.
صافي_هاني
الدنيا ضلمت.. والجو سِقع.. وكل صوت كان يعدي جنبي كان بيخليني أتخض.
بعدين سمعت صوت عصاية بتخبط على الرصيف.
ست عجوزة لابسة نظارة شمس سودا قربت براحة، وبتتحسس طريقها بعصاية بيضا.. وقعدت جنبي بكل هدوء وثقة.
قالتلي بحنية أنتِ بتعيطي من بدري يا بنتي.
مسحت وشي وقلت أنا كويسة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت يمكن عيني مش بتشوف، بس سمعي شغال كويس جدًا.
ومعرفش إزاي، انهرت وحكيت.
همستلها جوزي رماني هنا.. وأخد فلوسي وتليفوني.
ملامح وشها اتغيرت، مش شفقة، لكن غضب مكتوم.
قاصد؟
هزيت رأسي ب اه.
وحكيتلها كل حاجة كشف حساب الفيزا، المحاضرات اللي بيدهالي كل يوم، الطريقة اللي طارق بيتحكم بيها في كل قرش حتى مرتبى من المكتبة اللي كان بينزل في حسابنا المشترك، أصحابي اللي بعدهم عني، والأسف اللي كنت بتأسفه لمجرد إن المركب تسير والبيت يهدى.
لما خلصت كلام، سألتني هتعملي إيه لو رجعتي؟
الإجابة طلعت مني تلقائي هتبوس إيده واتأسف.. وأحاول أتحمل أكتر.
رفعت راسها لفوق وقالت
علا، اسمعيني كويس. إنك تشتري أكل وهدية لأمك العيانة دي مش قلة مسؤولية. لكن إنه ياخد فلوسك، ويعزلك عن الناس، ويرميكي هنا عشان يعلمك الأدب.. ده اسمه تحكم وفرض سيطرة.
الكلمة دي وجعتني وخبطت في قلبي أكتر من أي إهانة طارق قالهالي في حياتي.
قلت مفيش مكان أروحه.
قالت لا، عندك.
عربية سودا فخمة وقفت جنبا على الرصيف.. نزل منها راجل لابس بدلة رمادي وفتح الباب اللي ورا.
وقال بكل احترام يا هانم خديجة هانم الشربيني.
الست قامت وسندت على عصايتها.
وقالت ده سواقي.. وأنا خديجة الشربيني.
الاسم ساعتها مكنش يعنيلي أي حاجة.
بعدين قربت مني ووطت صوتها لما نركب العربية دي، اتصرفي كأنك حفيدتي.
بحلق لها وقلت إيه؟
قالت جوزك افتكر إنه سابك مكسورة وملكيش حد.. بس هو غلطان.
السواق تنحنح وقال خديجة هانم، أنتِ بتخططي لحاجة؟
ابتسمت خديجة وقالت عوض، دي فريدة.. وهتقعد معانا الفترة الجاية.
بصيت على الشارع الفاضي اللي طارق اختفى فيه.
بعدين بصيت لإيد خديجة اللي كانت ممدودالي.
ولأول مرة في اليوم ده، بطلت أترعش.
ومسكت إيدها.
بيتها مكنش مجرد بيت.. ده كان بوابات حديد ضخمة، وعواميد بيضا، وأرضيات رخام، ونجفة بتبرق فوق سلم كبير بيلف.. فاطمة، الشغالة، جهزتلي أوضة ضيوف لونها أزرق كانت أكبر من شقتي القديمة كلها.. وعوض جابلي شوربة.. أما خديجة فقعدت قدامي على العشا كأنها ست داخلة حرب.
الليلة دي، قالتلي هي مين بالظبط.
المالكة السابقة لمجموعة الشربيني للحديد والصلب.
واحدة من أقوى الستات في البلد كلها.
عمية من عشر سنين، بس أذكى وأقوى من أي حد قابلته في حياتي.
قالتلي أنتِ مش ضعيفة.. فيه حد بس فهمك وفضل يقنعك إنك كده.
تاني يوم الصبح، المحامي بتاعها وصل.
وعلى الضهر، كانت حساباتي المشتركة مع جوزي كلها تحت المراجعة.
وققبل ما الليل يليل، الحقيقة بدأت تبان.
طارق كان بيسحب فلوس بقاله شهور.. فلوس من شقايا وتعبى.. فلوس كنت فاكرة إننا بنحوشها.. كان فيه فواتير فنادق، وعشاوات غالية، وفواتير لفردين في ليالي كان بيقولي فيها إنه سهران في الشغل.
فضلت مبلمة في الورق لحد ما الأرقام زغللت في عيني.
حطت خديجة إيدها على الملف وقالت الأدلة دي هي اللي بتخلي الست تلاقي صوتها اللي ضاع تاني.
بعد خمس أيام من واقعة موقف الأتوبيس، خديجة كلمتني عن حفلة خيرية.
حفلة تبرعات لمستشفى أطفال.
أكبر حدث اجتماعي في الموسم كله.
رجال أعمال، متبرعين، مصورين بالظبط المكان اللي طارق هيموت ويروحوا عشان معرض العربيات بتاعه واحد من الرعاة للحفلة.
قلت هو هيكون هناك.
ردت خديجة والست اللي هو فاكر إنك عمرك ما هتعرفي طريقها هتكون هناك هي كمان.
بطني وجعتني وقلت مش هقدر أواجهه.
قالت خديجة أنتِ مش هتواجهيه بصفتك الست اللي رماها واتخلى عنها.. أنتِ هتواجهيه بصفتك الست اللي استهزأ بيها وبقدراتها.
يوم السبت بالليل، نزلت من عربية خديجة وأنا لابسة فستان أخضر زمردي كان حاساه شبه الدرع اللي بيحميني.
فلاشات الكاميرات بدأت تنور وتضرب حوالينا.. الناس بدأت تهمس باسم خديجة الشربيني.. عوض كان ساندها من ناحية وأنا ماسكة دراعها التاني.
وفجأة شفت طارق واقف جنب البار.
كان بيضحك مع شاهيناز، مديرته في الشغل، وفي إيده كاس.
كان شكله رايق.. ومبسوط.
بعدين عينه جت في عيني.
الكاس اتزحلق من بين صوابعه واتشظى ميت حتة على الأرض.
زعق وهو بيزق الناس عشان يوصلي علا؟! أنتِ كنتِ فين؟
القاعة كلها سكتت وصوت الهمس اتقطع.
خديجة طلعت خطوة قدامي، نظارتها السودا مغطية عينها، وصوتها كان حامي زي الموس يقدر يقطع أي همس في المكان وقالت
أكيد أنت بقى الزوج.
طارق زق باب العربية من ناحيته وهو قاعد ورا الدريكسيون، كأني مجرد حمل تقيل عليه وزهق من شيله وخلاص مش قادره يستحمل وجودي ثانية واحدة كمان. بصلي بنظرة كلها قرف وبرود جمدت الدم في عروقي، وقال بنبرة خالية من أي رحمة انزلي يا علا.
ورايا كان فيه مظلة أتوبيس مكسرة، ويافطة صاج معوجة ومصديّة، ورصيف مشقق طالعة منه الحشائش، وشارع فاضي وضلمة عمري ما شفته في حياتي ولا أعرف أنا فين بالظبط. على الناحية التانية من الطريق، كان فيه دكان مقفول بألواح خشب قديمة ومحاط بقضبان حديد تصد النفس، والمنطقة كلها مفيهاش صريخ ابن يومين.
همست والدموع مغرقة عيني وجسمي كله بيترعش من الخوف والزهول طارق.. عشان خاطري.. أنت بتعمل كده ليه؟ أنا عملتلك إيه لكل ده؟
بدل ما يرد عليا، مد إيده وبمنتهى العنف شد شنطة إيدي من حجرى لدرجة إن دراع الشنطة اتقطع في إيده. فتحها وبدأ ينبش فيها زي الحرامي. طلع منها محفظتي الأول.. بعدين فيزا المشتريات، وكروت البنك كلها، حتى ال