جوزها رماها في المحطه كاملة

لمحة نيوز

شقتي القديمة اللي كنت عايشة فيها مع طارق بكل تفاصيلها المكتومة. عوض جابلي شوربة دافية وأكل فاخر لحد عندي، أما خديجة هانم فغيرت هدومها وقعدت قدامي على سفيرة العشا وهي مفرودة الظهر، وكأنها جنرال في جيش بيستعد لمعركة مصيرية ضد عدو غاشم.
في الليلة دي، وأنا قاعدة معاها، بدأت تحكيلي عن نفسها وعرفت هي مين بالظبط.. خديجة الشربيني، المالكة السابقة لمجموعة الشربيني للحديد والصلب، واحدة من أكبر وأقوى الستات في البلد كلها، ست هزت سوق الاقتصاد لسنين طويلة. ورغم إنها فقدت بصرها من عشر سنين بسبب حادثة، إلا إن بصيرتها وعقلها كانوا أذكى وأقوى من أي حد قابلته في حياتي كلها.
بصت في اتجاهي وقالت بنبرة حاسمة علا، أنتِ مش ضعيفة ولا قليلة الحيلة.. فيه حد نرجسي ومريض هو اللي فضي يغسل دماغك ويفهمك ويقنعك إنك ولا حاجة من غيره عشان يفضل كاسرك.. بس اللعبة دي خلصت خلاص.
تاني يوم الصبح بدري، صحيت على صوت خبط على الباب، وكان المحامي الخاص بتاعها، المستشار شاكر، وصل ومعاه ملفات كتيرة. خديجة هانم طلبت منه يبدأ فوراً وبمنتهى السرية مراجعة وشغل على كل حساباتي المشتركة مع طارق، ويدعبس ورا كل مليم دخل وخرج من حسابات الشغل المشترك اللي كان طارق مخليني أمضي عليه.
وعلى الضهر، كانت الحسابات والملفات كلها تحت المراجعة الصارمة والمراقبة القانونية. وقبل ما الليل يليل في نفس اليوم، الحقيقة البشعة والوسخة بدأت تبان وتظهر على السطح وتكشفلي وش طارق الحقيقي اللي مكنتش اتخيله.
اتضح إن طارق مكنش بس بيتحكم في الفلوس بخل سادي، ده كان بيسحب فلوس ومبالغ ضخمة من حسابي بقاله شهور طويلة.. فلوس من شقايا وتعبى المرير في المكتبة وترجمتي للأبحاث بالليل.. فلوس كنت فاكرة وبموت نفسي جوع عشان نحوشها لمستقبلنا وللشقة الجديدة زي ما كان بيفهمني بالكدب. الصدمة الكبيرة إن المحامي طلع فواتير فنادق خمس نجوم، وعشاوات غالية جداً في مطاعم فاخرة، وفواتير حوزات لفريدين في ليالي كتيرة كان بيتصل بيا فيها ويقولي بصوت تعبان إنه سهران في الشغل ومش قادر يتكلم وهيبيت في المعرض من التعب!
فضلت مبلمة ومبرقة في الورق والشيكات لحد ما الأرقام والأسماء زغللت في عيني والدموع نزلت حرقة على غفلتي وسذاجتي. في اللحظة دي، خديجة هانم مدت إيدها وحطتها فوق الملف وقالتلي بصوت كله ثقة متعيطيش يا علا.. الأدلة دي والبلاوي اللي عملها من وراكي هي السلاح اللي هيخلي الست تلاقي صوتها وقوتها اللي ضاعوا وتكسر بيهم عين اللي ظلمها.
بعد خمس أيام بالظبط من واقعة موقف الأتوبيس، خديجة هانم دخلت عليا الأوضة وقالتلي بفرحة مكتومة جهزي نفسك يا فريدة، عندنا بكره بالليل حفلة خيرية كبيرة جداً.
سألتها حفلة إيه دي يا طنط؟
قالتلي حفلة تبرعات لمستشفى أطفال مصر.. وده أكبر وأضخم حدث اجتماعي في الموسم كله، وهيحضره كل رجال الأعمال، والمستثمرين، والمتبرعين، والمصورين والقنوات الفضائية.. وبالظبط ده المكان اللي طارق هيموت ويروحوا ويتمسح في جزم الكبار هناك، خصوصاً إن معرض العربيات بتاعه واحد من الرعاة الصغيرين للحفلة دي عشان يعمل لنفسه برستيج.
قلت وخوف قديم حاول يسيطر عليا هو.. هو هيكون هناك؟ أنا خايفة.
ردت خديجة هانم بابتسامة نصر مرعبة أكيد هيكون هناك.. والست التانية اللي هو فاكر إنك مغفلة وعمرك ما هتعرفي طريقها ولا هتكشفيها، صدفة هتبقى معاه وهتكون موجودة هناك هي كمان في نفس القاعة.
بطني وجعتني وحسيت برعشة في جسمي وقلت أنا مش هقدر أواجهه يا طنط.. مش هقدر أبص في عينه بعد كل اللي عرفته، بحس إني بضعف.
هنا خديجة هانم مسكت كتفي وضغطت عليه بقوة وقالتلي كلام نقش في عقلي أنتِ مش هتواجهيه بصفتك علا المكسورة اللي رماها في الشارع واتخلى عنها من غير مليم.. أنتِ بكره هتواجهيه بصفتك الست القوية اللي استهزأ بيها وبقدراتها وما يعرفش إنها تقدر تنهي وجوده بكلمة واحدة.. بكره هلبسك فستان يخليه يندم على اليوم اللي اتولد فيه.
يوم السبت بالليل، الأجواء في القصر كانت أشبه بالاستعداد لحدث عالمي. خديجة هانم جابتلي أشهر مصممي الأزياء والميكاب أرتيست لحد عندي. لما وقفت قدام المراية مبقتش مصدقة إن دي أنا.. كنت لابسة فستان أخضر زمردي حرير مجسم، شيك وراقي جداً وطويل، وحاطة مجوهرات من الألماس الحر خديجة هانم صممت إني ألبسها من مقتنياتها الخاصة. كنت حاسة وأنا لابساه إنه مش مجرد فستان، ده كان شبه الدرع اللي بيحميني ويديني طاقة وقوة مكنتش موجودة فيا قبل كده.
نزلنا وركبنا العربية، وأول ما العربية السودا الفخمة وقفت قدام السجادة الحمراء للقاعة الكبيرة، عوض نزل فتح الباب بسرعة. بمجرد ما رجلي لمست الأرض، فلاشات الكاميرات بدأت تنور وتضرب حوالينا من كل اتجاه زي المطر، والمصورين والجمهور بدأوا يتهامسوا باسم خديجة الشربيني بوقار وخوف، لأن ظهورها في الحفلات بعد سنين غياب كان حدث يهز الرأي العام. عوض كان ساندها بكل احترام من ناحية، وأنا ماسكة دراعها التاني بكل ثقة وراسي مرفوعة لفوق.
دخلنا القاعة الأسطورية، وبدأت عينيا تدور وسط مئات الضيوف والشخصيات المهمة والكل عينه علينا وبيفسحلنا طريق. وفجأة، عيني جت عليه.. شفت طارق واقف بعيد شوية جنب البار الكبير. كان لابس بدلة شيك وجديدة، وواقف بيضحك ويهزر بمنتهى الصياعة وقلة الحياء مع شاهيناز، مديرته في الشغل وصاحبة المعرض الأكبر، وكان في إيده كاس بيشرب منه ويحتفل. كان شكله رايق جداً، ومبسوط، وكأن مفيش ست كانت في حباله رماها في الشارع من كام يوم وميعرفش عنها حاجة ولا سأل عليها حتى بأي طريقة.
فضلت باصة عليه وخطواتي بتقرب مع خطوات خديجة هانم لغاية ما بقينا على بعد خطوات قليلة منه. وفي اللحظة دي بالظبط، طارق لف وشه بالصدفة وعينه جت في عيني..
ملامحه اتصلبت تماماً.. الضحكة اختفت من على وشه في ثانية، وعينه برقت بصدمة ورعب كأنه شاف عفريت قدامه. من كتر الزهول والخضة، الكاس اتزحلق من بين صوابعه ووقع على الأرض واتشظى ميت حتة، وعمل صوت عالي لفت انتباه كل الناس اللي واقفة حوالينا.
شاهيناز بصتله باستغراب وقالت في إيه يا طارق؟ مالك؟
لكن طارق مكنش سامعها أصلاً، كان باصص لفستاني، لمجوهراتي، وللست اللي أنا سنداها. بدأ يزق الناس بعنف وبشكل مش طبيعي عشان يوصلي وهو مش مصدق عينيه. وقف قدامي وزعق بصوت مذهول ومخضوض سمع القاعة كلها علا؟! أنتِ؟! أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ وكنتِ فين كل ده؟ ومين اللي لسبك الحاجات دي؟
في اللحظة دي، القاعة كلها سكتت صصصص صوت الهمس اتقطع والعيون كلها اتمسمرت علينا مستنية تشوف إيه اللي بيحصل.
هنا خديجة هانم الشربيني طلعت خطوة ثابتة قدامي، رفعت راسها بكل شموخ، ونظارتها السودا مخبية عينها تماماً، وبنبرة صوت حامية وحادة زي الموس، صوت يقدر يقطع أي نفس في المكان ويزلزل الأرض تحت رجله، قالت بكل برود وثقة قاتلة
أكيد أنت بقى الزوج الجعان اللي رمى حفيدتي في الموقف وسرق فلوسها.. المحامين بتوعي مستنيينك في مكتب النائب العام بكره الصبح يا طارق يا شرباتي، شرفت براند
تم نسخ الرابط