جوزها رماها في المحطه كاملة
المحتويات
جنيه الفكة اللي كنت محوشاهم على جنب عشان الطوارئ أخذهم، وفي الآخر مسك تليفوني وحطه في جيبه.
بصلي ببرود يقهر، وقال وهو بيقفل باب العربية في وشي عشان لازم تتعلمي قيمة الفلوس اللي بتبعزقيها دي.. اتصرفي بقى واعرفي هترجعي البيت إزاي، وريني هتعملي إيه من غير فلوس ولا تليفون يدلعك.
الدموع غمت عيني ومبقتش شايفة أي حاجة قدامي، والدنيا اسودت في وشي. الصبح ده بالذات، كان قالب البيت فوق دماغي وبيتهمني إني بضيع فلوسه وبصرفها في الهيافة، وكل الجريمة الشنعاء اللي عملتها إني اشتريت طلبات البيت الأساسية اللي ناقصة، وفولت العربية بنزين، واشتريت هدية بسيطة ب جنيه لأمي اللي كانت لسه طالعة من غرفة العمليات وبتتعافى من جراحة صعبة.. كل الموضوع كان بطانية دافية وشوية كتب تسليها في قعدتها. بس بالنسبة لطارق، ده كان كفيل إنه يعملي محاكمة عسكرية ويهيني ويهين أهلي.
قبل ما يدوس بنزين، نزل زجاج العربية شوية وقال لما تبقي جاهزة تتأسفي بالطريقة الصح وتعرفي قيمتي وقيمة القرش اللي بسببهولك.. تبقي تتصلي بيا من أي داهية، وقتها بس ممكن نبقى نتكلم. وداس بنزين وطلع بأقصى سرعة، وساب وراه وابل من التراب عماني تمامًا.
قعدت على الدكة الخشب المكسرة دي ساعات، والوقت كان بيمر عليا كأنه سنين. أتوبيسات يهدوا قدامي ويمشوا.. السواقين كانوا يبصوا عليا باستغراب، بس كنت بهز رأسي برفض وبداري وشي لأني مكنش معايا تمن التذكرة، ولا معايا تليفون أكلم بيه حد ينجدني، ولا عندي حتى القدرة أو الطاقة الرمزية إني أشرح لبني آدم إن جوزي رماني في الشارع زي الكلاب كنوع من العقاب والتربية.
الدنيا ضلمت تمامًا، والجو سِقع ورياح الليل بدأت تنهش في عضامي. كل حركة حواليا، كل صوت عربية تعدي أو كلب ينبح في الضلمة كان بيخليني أتخض وأتوقع المصيبة اللي هتحصلي في المكان المقطوع ده. وفجأة، وسط الرعب ده كله، سمعت صوت منتظم.. صوت عصاية خشبية بتخبط على الرصيف براحة.
ست عجوزة، ملامحها هادية جداً ولابسة نظارة شمس سودا عريضة، قربت بخطوات بطيئة وموزونة، وبتتحسس طريقها بعصاية بيضا. جت لحد عندي وقعدت جنبي على الدكة بكل هدوء وثقة، وكأنها عارفة المكان وعارفة مين اللي قاعد فيه.
سكتت لحظة، وبعدين قالتلي بحنية أموية هزت قلبي أنتِ بتعيطي من بدري أوي يا بنتي.. دموعك دي حرقت قلبي وأنا ماشية.
مسحت وشي بسرعة بكم كمومي وحاولت أجمع شتات نفسي وقلت بصوت مبحوح أنا.. أنا كويسة يا طنط.. مفيش حاجة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة ومطمنة وقالت يمكن عيني مش بتشوف يا بنتي، بس ربنا عوضني بسمع وقلب شغالين كويس جدًا.. قوليلي مالك؟
ومعرفش إزاي، السد اللي جوايا انهار تمامًا وانفجرت في العياط وحكيتلها كل حاجة وأنا بشهق. همستلها والوجع بياكل في صدري جوزي رماني هنا من كام ساعة.. وأخد فلوسي وكروتي وتليفوني وسابني في الضلمة لوحدي.
ملامح وشها الطيب اتغيرت فجأة، مش لعلامات شفقة وصعبانية، لكن لغضب مكتوم قوي وواضح جداً في حواجبها اللي اتعقدت. سألتني بنبرة حازمة قاصد يعمل كده؟ يعني رماكي كعقاب؟
هزيت رأسي ب اه وأنا بنشج.
فتحت قلبي للست الغريبة دي وحكيتلها عن عيشتي كلها مع طارق كشف حساب الفيزا اللي بيمسكهولي كل أول شهر، المحاضرات والتهزيء اللي بيدهملي على كل قرش بطلعه، الطريقة المقرفة اللي بيتحكم بيها في كل مليم حتى مرتبى الصغير من شغل المكتبة اللي كان بينزل في حسابنا المشترك اللي هو عامله ومستولى عليه، أصحابي وأهلي اللي بعدهم عني بالتدريج عشان أبقى بطولي، والأسف والذل اللي كنت بدوقهم كل يوم وبقبلهم لمجرد إن المركب تسير والبيت يهدى ومطلقش.
لما خلصت كلامي وأنا بنهج، بصت ناحيتي وسألتني سؤال غريب هتعملي إيه لو رجعتي البيت دلوقتي؟
الإجابة طلعت مني تلقائي ومن غير تفكير، إجابة الست المكسورة المبرمجة على الإهانة هتبوس إيده ورجله وأتأسفله على غلط مش جريمته.. وأحاول أتحمل طبع الخناق أكتر عشان ميرمنيش تاني.
هنا الست رفعت راسها لفوق بكل كبرياء وقالت بصوت قوي يهز جبال علا، اسمعيني كويس واوعي تنسي الكلام ده طول عمرك. إنك تشتري أكل لبيتك وهدية لأمك العيانة دي مش قلة مسؤولية ولا سفه. لكن إنه ياخد شقاكي وفلوسك، ويعزلك عن الدنيا كلها، ويرميكي في مقطعة بالليل عشان يعلمك الأدب ويكسر عينك.. ده مش حب ولا تربية، ده اسمه تحكم مريض وفرض سيطرة، وعايز يحولك لخدامة مكسورة الجناح.
الكلمة دي خبطت في قلبي وعقلي أكتر من أي إهانة طارق قالهالي في حياتي كلها. فوقتني من الغيبوبة اللي كنت عايشة فيها. بصيت للأرض وقلت بيأس بس أنا معنديش مكان أروحه دلوقتي، وأمي عيانة ومش هتحمل صدمتي.
قالت بثقة تامة لا، عندك.. طول ما أنا عايشة عندك.
في اللحظة دي، عربية سودا فخمة جداً، أحدث موديل، وقفت جنبنا على الرصيف بشكل هادي. نزل منها راجل أربعيني لابس بدلة رمادي شيك جداً، جري بسرعة وفتح الباب اللي ورا وانحنى بكل أدب وقال يا هانم.. خديجة هانم الشربيني، كل حاجة جاهزة.
الست قامت بوقار شديد وسندت على عصايتها، وبصت ناحيتي وقالت ده عوض سواقي الخاص.. وأنا خديجة الشربيني.
الاسم ساعتها مكنش يعنيلي أي حاجة لأني كنت مغيبة من الصدمة. بعدين قربت مني ووطت صوتها وهمست في ودني بكلمات غيرت مجرى حياتي بالكامل لما نركب العربية دي ونمشي، اتصرفي قدام أي حد كأنك فريدة حفيدتي.. جوزك الندل ده افتكر إنه سابك مكسورة وملكيش ضهر ولا سند.. بس هو غبي، وما يعرفش إنه رماكي في حضن مين بالظبط.. ومن اللحظة دي، طارق ده انتهى.
السواق عوض تنحنح وبص لخديجة هانم بفضول وقلق وقال خديجة هانم، هو احنا بنخططي لحاجة جديدة؟
ابتسمت خديجة هانم ابتسامة غامضة مليانة أسرار وقالت عوض، دي فريدة حفيدتي.. وهتقعد معانا في القصر الفترة الجاية، وكل طلباتها أوامر ومجابة فوراً، فاهم؟ عوض انحنى وقال مفهوم يا فندم، تحت أمرك وأمر فريدة هانم.
بصيت لآخر مرة على الشارع الفاضي والضلمة اللي طارق اختفى فيه بعربيته، وحسيت إن الست دي بعتهالي ربنا من السما عشان تنقذني من الموت رعباً أو قهرًا. بعدين بصيت لإيد خديجة هانم اللي كانت ممدودالي بكل كرم ودعم. ولأول مرة في اليوم الأسود ده، بطلت أترعش وثبت نفسي، ومديت إيدي ومسكت إيدها بقوة، وركبت معاها العربية الفخمة والباب اتقفل ورايا، وكأني بقفل الباب على حياتي القديمة كلها.
لما وصلنا، اكتشفت إن بيتها مكنش مجرد بيت عادي أو فيلا كبيرة.. ده كان قصر أثري مهيب محاط ببوابات حديد ضخمة بتفتح بالكهرباء، وعواميد بيضا شاهقة على الطراز الروماني، وأرضيات من أنقى أنواع الرخام اللي بيعكس الضوء زي المراية، ونجفة كريستال عملاقة بتبرق زي الألماس فوق سلم دائرى كبير بيلف ويسحر العين.
أول ما دخلنا، ظهرت ست هادية اسمها فاطمة، الشغالة الكبيرة في القصر، خديجة هانم أشارت ليها وقالت فاطمة، جهزي فوراً الجناح الأزرق لفريدة، واعملي حسابك إنها صاحبة بيت. فاطمة نفذت الأمر بسرعة البرق وجهزتلي أوضة ضيوف، أو بالأصح جناح كامل، كان لوحده أكبر من
متابعة القراءة