رواية { دگة السادة } الفصل الاول بقلم فاطمه محمد علي النعيمي حصريه وجديده
رواية دگة السادة الفصل الاول بقلم فاطمه محمد علي النعيمي حصريه وجديده
حين ترى ابناً يسلك سلوك أبيه المشين،
رغم أن الأب تاب قبل أن يُخلق ابنه،
يتبادر إلى ذهنك سؤال يضرب في عمق الوجود
هل الإنسان جيناتٌ متوارثة، أم سلوكياتٌ مقلدة؟
بمعنى آخر
هل الطباع أَرثٌ جيني، أم أَرثٌ سلوكي؟
فإذا كان الأب قد محى آثار ماضيه قبل ميلاد ابنه،
فكيف عاد الابن ليفعل ما لم يعلم به أبدا؟
من الطبيعي جدا ان تقول
اذاً السلوك المشين وراثة
حيث ان الولد لم يعرف ولم يرى من ابيه سلوك مشين ليقلده
اذاً هي وراثة جينية وصلته بالدم
لكنك حين تتعرف الى طريقة تفكير الاب التائب
وطريقة تربيته لابنه
ومايجيزه وما لايجيزه
ستخرج بنتيجة مختلفة تماما.....
هذا ما سنعرفه في هذه الحكاية،
التي تمتد أحداثها بين عامي 1914 و،
وتحمل بين طياتها أسراراً وصدمات،
حتى أنني كنت أحياناً أُسرع في سرد الأحداث،
وأتناسى الوصف،
لشدة قوة الأحداث وزخمها العنيف.
تعالوا معي،
لأفتح لكم نافذة على زمنٍ لم نعيشه،
ولتعرفوا ما جرى في تلك الحقبة من الزمن
وماحصل ويحصل كل يوم
ليس بقلمي،
بل بأصابعي سأرسم لكم لوحاتٍ من ريفٍ بعيد،
لن تنسوها أبداً.
استهلال......
قال علماء السلوك الروس إن الإنسان في جوهره معزوفة تُعزف على وترين لا غنى لأحدهما عن الآخر وتر الطينة الأولى، و وتر الحياة.
نحن لسنا نتاجاً لصدفة محضة، بل تفصيل دقيق يتقاسمه الوجود بنسب عجيبة نصفنا الأول خطّته الوراثة في عمق خلايانا، جينات عتيقة ورثنا منها ملامح الغضب، ونبرة الضحكة، وظلال الحزن المخبوء في نظراتنا.
أما النصف الآخر، فتركته الوراثة للريح والتربة ليُشكلاه. غير أن المفاجأة أن التربية المباشرة، بنصائح الآباء وصراخهم، لا تملك من ثوب حقيقتنا سوى عشرة إلى خمسة عشر بالمائة.
أما الحصة الأكبر، تلك التي تتراوح بين خمسة وثلاثين وأربعين بالمائة، فهي ملك لتلك التفاصيل التي عشناها وحدنا في أزقة المدن، في ملامح الأصدقاء، في انكساراتنا السرية، وفي الشوارع التي مشيناها دون أن يمسك بأيدينا أحد.
إننا في النهاية لسنا أرقاماً جامدة، بل ذلك السحر الناشئ من امتزاج البذرة بالتربة؛
تمنحنا الجينات الاحتمال،
وتأتي الحياة بأقدارها لترسم التفاصيل.
وهذه الحكاية... هي واحدة من تلك التفاصيل.
تنويه كل أسماء الشخصيات وأسماء الأماكن من الخيال، وإذا اتفق التشابه بين أسماء شخصيات القصة وبين أشخاص حقيقيين، فهو من قبيل الصدفة العجيبة.
الفصل الاول
الغريقة
في صيف 1962،
كان يوماً صيفياً حاراً في تلك القرية الواقعة على نهر دجلة، قرية حويدة. وتحديداً عند انحناءة النهر حيث ينحرف النهر عن جريانه نحو الجنوب ليتجه شرقاً مسافة ثلاثين كيلومتراً، قبل أن يكمل طريقه جنوباً مرة أخرى وعلى الضفة اليمنى للنهر.
كانت الأعشاب الربيعية في القرية قد جفت كلها، باستثناء ضفاف النهر من الجانبين حيث ينمو القصب والزل والبردي بكثافة في منطقة انحراف النهر، وكان موسم الحصاد قد انتهى.
هناك...... تقع قرية حويدة على مرتفع يطل على النهر. يدخل النهر للقرية من اليمين شمالاً حيث بساتين القرية منتشرة قرب بعضها، وهي المنطقة الوحيدة المنبسطة على الشاطئ في تلك القرية. وحين يستمر النهر وينحرف ليتجه شرقاً، وعلى الشاطئ عند انحناء النهر تماماً، اتخذ أهل القرية مكاناً مخفياً بين القصب الكثيف ليكون مغتسلاً للنساء، وقد تعارف الجميع على أن هذا المغتسل مكان محرم على أي ذكر يتجاوز عمره ست سنوات.
ولهذا...... كان أهل القرية والرعيان حين يردون النهر، يذهبون إلى المورد الخالي من القصب، بعد صخرة كبيرة نصفها في الماء والنصف الآخر على اليابسة يسمونها تل تنومة، كانت كحاجز طبيعي بين مغتسل النساء والمورد الكبير، فيشربون أو يسبحون أو يسقون مواشيهم.
في تلك الظهيرة الساخنة، جلس حمدان على الشاطئ من الجهة الشرقية عند المورد الكبير، يراقب نعاجه وهي ترتشف الماء بشغف. وحين كانت تزفر أنفاسها أثناء الشرب، تصله رائحة أنفاسها المشبعة برائحة التبن المختمر في بطونها، فيبتسم ويقول لنفسه بصوت مسموع يخاطب نعاجه مبتسماً كأنه يخاطب بناته
يابعد ابوي انتن... بالقرعان فلا أطيب من ريحتچن غير ريحة ربچن الخلقچن.
أما في مغتسل النساء، الذي كان محاطاً بالقصب الكثيف من ثلاث جهات ومفتوحاً تقريباً من جهة النهر، كانت سورية جالسة في الماء تضع ابنتها الصغيرة وطفة ذات الأربع سنوات بين ساقيها وتفرك رأسها بالصابون والطفلة تصرخ. كان الماء دافئاً يصل إلى صدر الطفلة، وينعكس دفؤه على وجه سورية الذي أشرق بالرضا.
كانت رائحة صابون الغار تمتزج مع ماء النهر ورائحة التراب الذي بللته رشات ماء الاستحمام، تشعر سورية بالانتعاش فتضحك وهي تغرف الماء بوعاء من الألمنيوم وتصبه على طفلتها، ثم تقلب الوعاء على رأسها حين تنشغل بفرك رأس ابنتها بالصابون؛ فالنهر في هذه البقعة يغير مساره ويتسارع بشدة، كأنه حين يجري يصطدم بتلك البقعة قبل أن ينحرف فيتسارع .
فتضحك ابنتها الكبيرة سمرا ذات العشر سنوات الواقفة خلفها، تحمل بيدها المنشفة وثياب أختها الصغيرة، وقد فتحت ضفائرها استعداداً للاستحمام، وتقول لأمها ضاحكة
يمة صرتي مثل دمدم الخبل لمن يچب القواطي على راسو ،
فترد أمها شارحة وموضحة
يولي دمدم مخبل اش يشوف يحطو على راسو لو يعلكو برگبتو
بس اني اخاف المي ياخذ الطاسة،
حين انتهت سورية من تحميم الطفلة، نهضت من الماء بثيابها المبللة وجلست على صخرة في داخل المغتسل على الجهة اليمنى منه، ووضعت الطفلة في حجرها، وأخذت المنشفة من ابنتها سمرا وجففت الطفلة وهي تقبلها وتداعبها بقولها
يمة بنتي اشگد حلوة يمة اشگد ريحتها