اخو جوزي التؤام كامله
ويورثوا كل حاجة باسم كريم بعد ما يلبسوه قضايا التزوير وهو اختفى في الضلمة.
فجأة، القطر هدى سرعته وسط الخلا، وصوت الفرامل صرّ بحدة.. النور جوه العربية طفي وولع مرتين، قبل ما الباب اللي في آخر الممر يتفتح ببطء.
ظهر خيال راجل طالع من بين الكراسي الفاضية، ماشي بخطوات تقيلة وهادية لحد ما وقف جنب كرسيتها بالضبط. التفتت له وهي حاسة إن قلبها هيقف من الرعب.. كان راجل لابس جاكيت أسود، وشه نص مخفي، قرب من ودنها وهامس بنبرة ثلجية
القطر ده مش هيقف في إسكندرية يا إنجي.. انزلي معايا بالهدوء من المحطة الجاية، بدل ما الفيديو اللي شوفتيه يبقى آخر حاجة تشوفيها لجوزك وهو عايش.
إنجي بلعت ريقها بالعافية، وحست إن النفس بيتسحب من صدرها. النظر بين شاشة التليفون اللي فيها جوزها بينزف وبيصارع للموت، وبين الراجل اللي واقف فوق رأسها بنظرة باردة خالية من أي رحمة، خلّى قلبها يدق كأنه طبول حرب. كانت عارفة إن أي حركة غبية منها كفيلة تنهي حياة كريم في ثواني.
هزت رأسها ببطء ومن غير ما تنطق كلمة، ولمت الشنطة والتليفون بإيدين بترتعش من الرعب. الراجل أشار لها بعينيه تتنقل قدامه، ومشيت وسط ممر القطر الفاضي خطوة بخطوة، والظلمة بره الشباك كانت بتزيد كأن القطر داخل جوه ثقب أسود.
القطر صرّ بفرامله على القضبان وبدأ يهدى، لحد ما وقف في محطة صغيرة مقطوعة في نص الخلا، أضواؤها المكسورة بترمِش في الضباب. الباب اتفتح، والهواء الساقع ضرب وشها زي السوط. نزل الراجل الأول، ومسك دراعها بعنف وقسوة وهو ضاغط بسبابة إيده والتانية في جيبه على جنبها.. كانت بوز مسدس مستخبي.
اتمشي قدامي بالراحة.. من غير ما تلفتي النظر، العربية مستنية بره.
الشارع ورا المحطة كان ضلمة كحل ومفيش فيه صرصار ينطق. عربية نقل سوداء فاميه كانت واقفة ومطفي نورها في المداراة. أول ما قربوا منها، الباب الوراني اتفتح ببطء من جوه. الراجل زقها على الكرسي وقفل الباب بحدة وركب قدام جنب السواق.
إنجي اتدحرجت على الكرسي وبصت جنبها في الضلمة، والدم اتجمد في عروقها لما شافت الشخص اللي قاعد جنبها.. مكنش بلطجي، ولا مجرم غريب. كانت ست! ست لابسة أسود في أسود، وملامحها حادة ومشوهة بجرح قديم عند خذها، وبتبص لها بابتسامة تشفي مرعبة.
صرخت إنجي بنبرة مليانة ذهول وقرف
أنتِ مين؟! وعايزين إيه من كريم؟!
الست ضحكت ضحكة هادية مليانة ثقة، وطلعت سيجارة ولعتها.. نور القداحة كشف وشها بالكامل، وش إنجي كانت عارفاه كويس جداً من صورة قديمة متقطعة كانت مستخبية في ورقة جوازها العرفي القديمة اللي لقيتها بالصدفة في البيت!
أنا اللي جوزك العزيز وأخوه التوأم اتفقوا عليا ودخلوني السجن وزوروا توقيعي عشان ياخدوا الشركة والأرض.. أنا مراته الأولى اللي افتكروا إنهم دفنوا سرها للأبد.
الست حطت السيجارة بين شفايفها وكملت بنبرة تتلج الدم
التمثيلية اللي حصلت في شقتك الليلة دي أنا اللي كاتبة إخراجها بالمليم.. استغليت غل التوأم عشان أخليهم يفرتكوا بعض قدام البوليس، وكريم السليم محبوس تحت إيدي.. وأنتِ بقى يا حلوة، المفتاح الوحيد اللي هيخليه يوقع على التنازل عن كل أملاكه وهو بيبوس إيديكي عشان أنقذ حياته!
العربية طارت بسرعة جنونية في طريق زراعي ضلمة، وإنجي مسكت في الأكرة وهي حاسة إن المتاهة ملهاش نهاية، وكل ما تفتكر إنها عرفت الحقيقة، بتكتشف إنها مجرد ضحية جديدة في بئر غدر أعمق وألعن من اللي قبله.
العربية وقفت فجأة قدام هنجر مهجور في أطراف المحافظة، والصوت الوحيد اللي كان مسموع هو صرير الباب الصديق وهو بيتفتح ببطء. الست زقت إنجي بره العربية، والراجل المسلح وراهم ضاغط بمسدسه في ضهرها بجمود.
دخلوا جوه الهنجر، المكان كان ريحته عفن ورطوبة، وفي نص الصالة الواسعة تحت لمبة واحدة صفرا بترمِش، كان كريم مربوط بحبال تخينة في كرسي حديد. وشه كان مليان كدمات ودم ناشف، ولما لمح إنجي داخلة، عينيه اتفتحت على آخرها بالرعب وزعق بصوت مبحوح ومقطوع
إنجي؟! جابوكي هنا إزاي؟ يا مفترية سيبوها.. مالهاش دعوة بأي حاجة بيننا!
الست قربت من كريم ببطء، وضحكت ضحكة باردة وهي بتسحب ملف ورق من شنطتها وترميه على ترابيزة قدامه
مالهاش دعوة؟ ده هي اللي هتمضيلي على الورق ده يا كريم.. أصل أنت فاكرني غبية؟ أنا عارفة إنك كتبت نص أملاكك باسمها الشهر اللي فات عشان تخلع من قضايا الضرايب والنصب اللي أترمت عليك!
إنجي بصت لكريم بذهول.. الصدمة كانت ألعن من الخطف نفسه. كريم جوزها اللي كان عامل فيها الحمل الوديع، مكانش كاتب حاجة باسمها حباً فيها ولا أمان، ده كان بيستخدمها كساتر ترابي عشان لو الدنيا طربقت، تلبس هي القضايا والديون بداله!
كريم وشه اصفر، وبص للست بقلة حيلة وبلع ريقه
أنتِ.. أنتِ عرفتي منين؟
سحبت الست المسدس وسندت بوزه على رقبة إنجي مباشرة، وعينيها بتلمع بشر
عرفت عشان أختك باعتك ليّ أول ما قبضت ثمنها! ودلوقتي قدامك دقيقة واحدة.. تخلي مراتك العزيزة تمضي وتبصم على التنازل الكامل عن كل حاجة لقصاد حياتها، يا إما الطلقة دي هتخرّم دماغها، وألبّسك أنت جريمة قتلها وأخلص منكم أنتوا الاثنين!
إنجي كانت حاسة ببرودة بوز المسدس على جلد رقبتها، ونفسها طالع بالعافية.. بصت لكريم اللي كان جسمه كله بيرتعش، وفجأة نطق كريم بنبرة هيستيرية ومليانة غل
امضي يا إنجي! امضي وما تخافيش.. الورق ده مالوش قيمة لأن البصمة اللي معاها مش هي اللي مقبولة في الشهر العقاري!
الست عينيها برقت بالجنون وزعقت
بتلعب بيا للمرة الألف يا ابن الحرام؟!
وقبل ما صباعها يضغط على الزناد، اتسمعت فرامل حادة لثلاث عربيات بتصرخ بره الهنجر، وكشافات عالية جداً ضربت من شبابيك الصاج العالية، ونوّرت المكان كله كأنه نهار، وصوت ميكروفون رجّ الجدران
المكان كله محاصر! نزّل سلاحك واخرج إيدك فوق راسك!
الست اتلخبطت والمسدس اترعش في إيدها، والبلطجي اللي معاها جري ناحية الشباك العالي، بس طلقة تحذيرية هزت المكان وكسرت الصاج فوق راسه، فترمى على الأرض ورمى سلاحه برعب.
الست صرخت بانهيار وسحبت إنجي لورا، حاطة بوز المسدس في رقبتها وهي بتتراجع، وزعقت بصوت هيستيري
مش هخرج من هنا فاضية! لو حد قدم خطوة واحدة هفرتك دماغها!
كريم وهو متكتف في الكرسي، عينيه طارت من الرعب، وبدال ما يهدّيها أو يفدي مراته، صرخ بعلو صوته للشرطة بره بنذالة ملهاش مثيل
اضربوا النار يا باشا!! اقتلوها! المهم أنقذوني أناااا!!
الكلمة نزلت على إنجي كأنها مية نار.. بصت لكريم وهي مسحوبة، وشافت فيه حقيقته الكاملة مش بس خاين ومجرم، ده كمان نذل ومستعد يضحي بحياتها في ثانية عشان ينفذ بجلده. في اللحظة دي، الرعب اللي كان شاللها تحول لشرارة غل وحسم.
انتهزت إنجي لحظة تشتت الست مع صوت الميكروفون اللي بيكرر الأوامر بره، وبحركة خاطفة وسريعة ضربت بكوعها بأقصى قوة في بطن الست، وفي نفس الثانية لفت وجرّدت إيدها من المسدس اللي طار على الأرض.
وفجأة، الباب الصاج بتاع الهنجر اتخلع بضربة قوية من عربية عمليات خاصة دخلت
جوه، وقوات الشرطة اتدفقت في المكان زي السيل بأشعة الليزر الحمرا. في أقل من عشر ثواني، كانت الست والبلطجي ملمومين على الأرض والكلبشات بتتقفل في إيديهم.
الظابط قرب من إنجي وهو بيطمنها
أنتِ بخير يا مدام؟ إحنا تتبعنا شريحة التليفون اللي جاتلك عليها الرسالة في القطر ورصدنا الموقع.
كريم وهو مربوط، بدأ يصرخ بلهفة وتوسل
إنجي! تعالي فكيني يا حبيبتي! أنا مظلوم.. تعالي قولي للظابط إن ده بيتي وأملاكي!
إنجي مشيت بخطوات هادية لحد ما وقفت قدامه.. بصت له فوق لتحت بنظرة احتقار صامتة، نظرة جمدت الكلام في زوره وخلت دموعه تتجمد في عينيه. ما ردتش عليه ولا حتى اتعطفت مع هيئته المكسورة.
تجاهلته تماماً ولفّت ضهرها، وخرجت بره الهنجر للهواء الساقع والشمس اللي بدأت تشقشق في السماء.. تنفست براحة لأول مرة من أيام، وعرفت إن الكابوس انتهى، وإن حياتها الحقيقية هي اللي بتبدأ دلوقتي بعيد عنهم كلهم.
بعد ست شهور من الليلة دي، إنجي كانت واقفة قدام باب مجمع المحاكم، ماسكة في إيدها ورقة طلاقها النهائية وحكم المحكمة ببراءتها التامة من كل القضايا المالية اللي كريم حاول يدبسها فيها. النيابة كشفت اللعبة كلها، والتسجيلات والشهادات لبّست كريم وأخوه التوأم ومراته الأولى أحكام بالسجن المشدد في قضايا خطف وتزوير وشروع في قتل ونصب.
قبل ما تسيب المبنى، طلبت تقابل كريم للمرة الأخيرة بطلب منه. وقفت قدام السلك، وكان واقف ورا الزجاج وشه شاحب، الملامح الانتهازية والشر اللي كان في عينيه اختفوا كلياً وحل مكانهم الانكسار. مسك السلك بإنهاك ونطق بصوت مبحوح ومكسور
إنجي.. أرجوكي سامحيني، أنا ضعت خلاص والمستقبل راح.. الشقة والشركة القاضي كتبهم باسمك كتعويض، أرجوكي تنازلي عشان أخد تخفيف.. ما تسيبنيش أتعفن هنا!
إنجي بصت له بجمود وثبات، ابتسامة صغيرة وباردة ظهرت على شفايفها، ابتسامة ست اتولدت من جديد بعد ما دفنت الخوف والضعف
التعويض ده مش ثمن أذيتي، ده ثمن غفلتك ونذالتك يا كريم. الفلوس والأملاك دي أنا بيعتها كلها واتبرعت بنصها لملاجئ وحماية الستات المظلومة، والنص الثاني اشتريت بيه حريتي بعيد عن القرف ده.. أنت وأخوك ومراتك استاهلتوا بعض، والمكان اللي أنت فيه ده هو الوحيد اللي تليقوا بيه.
لفت ضهرها ومشت بخطوات متزنة وواثقة، وصوت صريخه وتوسلاته المكتومة من ورا السلك مكنش له أي أثر على قلبها. خرجت للشمس اللي كانت مالية الشارع، والهواء النقي صدم وشها. ركبت عربيتها وهي بتبص في المراية للمبنى اللي بيبعد وراها.. عارفة إن الكابوس اتطوى للأبد، وإن حياتها الحقيقية بدأت دلوقتي بكامل إرادتها.
تمت