زهـرة بين براثِـن البـأس الفصل الأول بقلـم الكاتبـة سيـلا محمـد
زهرة بين براثِن البأس الفصل الأول
بقلم الكاتبة سيلا محمد
تمهيد
يفصلهما قارتين من التناقُض ، و بحرًا عميقًا لم تُسجِل إحداثياته الخرائط ...
تمكث أنتَ هناك .. فى قارتك ، تُخفي احتياجك خلف صرامةٍ زائفة ، و أما أنا ما إن أتعثر حد السقوط ، حتى أقف من جديد ....
قلبه مدينة قوية الحصون ، و رغم صلابة الجدران فقد سقطت أسوارها تحت قصف الاشتياق ...
يشتاق إلى من رحلت ، و لن تعود ...
جمع ما تبقى من ذكرياته بها ، ثم أغلق الأبواب ...
بابٌ يليه ألفُ باب .. و تقطعت بَتلات الثقة .. تلحقها جذور الأمل .... تعقُبها فروع الانتظار .... حتى بات ذاك الفؤاد كما كهفٍ موحِشٍ لا يُرحب بأحد ...
و قبل رحيلها ، تركت لعنتها الأخيرة حوله ، كأنها تُخبِر الكون بأسرِه ؛ ألا أحد بعدها يستحق قُربه .. و ألا يحق لغيرها أن يهنأ بمحرابه ...
و منذ ذلك الحين ، صار حبيس قوقعته ...
ويلٌ لمن تقترب من البأس ، حتى تشعر بلدغات جحيمِه الحارقة دون أن تُحِس ..
بقلم الكاتبة سيلا محمد
هل على من تسير على الأشواك حافية ، ألا تتألم ، و تحتمل نزفًا داميًا من داخلها قبل الخارج ؟!
تستقيم .... و إن انحنت فذاك كما استسلام النبته لنسمات الهواء ، ثم تزهو من جديد بعطوها الفواح ..
آمنَتْ أن المبدأ الذى عليها الإتكاء عليه
قفِي .... فالأرض لا ترحم الخاضعين تحت أقدام الآخرين ... ريثُما الزمن الذى نركض خلفه لاهثين ، لن ينتظر ضحايا الخيبات ...
انهضي .... و إن كانت الروح مُثقلة بالهموم .. و إن كانت السماء فى مرآكِ مزينةً بالغيوم .. فما عليكِ إلا الدعاء إلى الحي القيوم ... و أغلقي باب الظنون ..
رُب ظنٍ خاب قاصده ضائعًا ، و إن باتت السُبل مرسومةً بأقلام اليقين
فهي التي آمنت ولا تزال .. أن السقوط حادثة ، أما البقاء على تلك البسيطة شامخة فهو القرار ..
فالفهود تُجرَح لكنها لا تنحني .. و الجبال تبقى صامدة وإن هاجمتها الرياح ...
هى الزهرة التي خُلِقت لتسير على الأرض ممهدة ، لا لتكون أرضًا عليها يطأ الآخرون ...
بقلم الكاتبة سيلا محمد
الفصل الأول
رهان خاسر
منذ نعومة أظافرها .. نشأت على صفاء النوايا .. لا تعي الرضوخ الأعمى ، بل تربت على الحذر .. على العفة عن التساؤل ، و إن كانت الإجابة بلسم للشفاء. تضع اليقين دائمًا فى نطاق محكمة العقل ، إلى أن تنتهي الجلسه بالعفو دون عقاب ...
ظهرت أمامه خِلسه ، دون ترتيب مُسبق ..
رأت فى عينيه حقول من الألغام .. و على شفتيه أمارات الإتهام ... و فى قلبه قبو مُغلق بإحكام ..
لكنها ، و إن كانت بالبراءة تتوسد .. فلم تكن يومًا سريعة الانقياد ، أو غافلة مقدسة سهلة الإصطياد ...
ربما أرادت أن تضع بساحة روحه المنهكة زهرة قرمزية ، كما فعل بحديقة قصره ...
نعم أرادت و لو جرحتها الأشواك ...
لم تقع صريعة شموخه و هيبته ، بل الشموخ و الهيبة هم صرعى براءتها ..
و إن اقتربت قليلاً .. ربما تربح .. و ربما لا تجنِي إلا الخسارة .. !
ألا عليها أن ترتمي داخله كما عذراء النيل فداءً بوفاءه ؟! أعليها أن تجثو أمام صقيع مشاعره ، تلبيةً لنداء طفله ، ربما يتطهر من وعدٍ سابق فقد صلاحيته .. ؟!
هل رأيتم يومًا من يُنقذ الجليد بقُبله مُلتهبة ؟؟
سأُجيب نعم .. ربما يومًا ما تفعل .... ربما
بقلم الكاتبة سيلا محمد
أُمسية فى ظاهرها هادئة ، لكن الظاهر ليس دائمًا كما يبدو عليه ...
هدوء .. أضواء متراصة على الجانبين ... حفيف الأشجار و صوته المعتاد المُحبب إلى الأسماع ... و مكتب أنيق فى الداخل ... مُغلق
يجلس خلف كرسيه رجل .. اعتادت نظراته الحادة أن تكشف ما حرص الآخرون على إخفاءه ..
أنيق .. جذاب ... غامض بعض الشيء أو ربما الشيء كله ..
أقسى ما يعانيه المرء أن يُحاول جاهدًا التوغل داخل تلافيف عقله ؛ فإما يُصاب بالهذيان ... أو تضحى علته الجنون ...
اعتمد على أنامله البارعة التى تتحرك بثقة على حاسوبه الخاص ، و جم تفكيره فيها ...
عقله اعتاد الانشقاق ... يفكر فى اتجاهين دون أن يختل ميزان أحدهما ...
يترجم فضوله والتجاهل التام ... لكن داخله ينتظر ... و يتساءل ... و يستشيط غضبًا من شدة الغيظ ...
ليُنصت إلى تلك الضربات الرتيبة على باب مكتبه ، أعقبها صوت الحسناء غنوة قائلةً فى تودد
بأس باشا ... القهوة حضرتك ...
عالج بأس تلك الكلمات بصرامة
ادخلي .
دلفت غنوة إلى الداخل فى هدوء .. هامتها عالية ، أنفاسها منتظمة .. يقينها صائب ... حُلمها و صبرها فسيح ...
ثم اقتربت من مكتبه الملكي المصنوع من خشب الأبنوس العريق ، و وضعت صينية التقديم التى تحمل على متنها فنجان مُذهب من القهوة الفرنسية فاخرة المذاق ، إلى جواره كأس من الماء ... لتردف
القهوة يا أفندم ...
لم يرضخ بأس لنبرتها العذبة ، ولا لرقتها المتناهية .. و إنما ازداد عبوسه ليهتف
أنا طلبت مِنِك قهوة ؟؟! إنتِ تعملي اللي أقولِك عليه و بس .. غير كده مش مسموح ...
ابتسمت غنوة فى نعومة
أنا اتعودت من حضرتك تطلب فنجان قهوة من ايدي أول ما تدخل المكتب ؛ فقولت أجهزها لحضرتك قبل مما تطلبها ....
فَطِنة ... أريبة ... حاذقة ..
تعي جيدًا كيفية التعامل .. تعزف على شغاف قلبه .. ترتجي منه اللين لها و لإبنتها حالما تنتهي من مهمتها التي أسندها إليها أخيه الأستاذ الجامعي صاحب الخُلق والي الحديدي
و فى ظل تأمله لها ... نهض من مجلسه ليقترب منها ، ترتكز عيناه مباشرة على صِحاف وجهها ، ليردف بصوته العميق
مين غيداء عبد الصبور ؟!
بأنفاس هادئة .. حاولت غنوة إلتزام الثبات أمام ذلك الماكر ، متقد الذكاء .. لتهتف
بنتي ..
عاود بأس السؤال ليحمل من الاستهزاء أكثر ما يتضمنه الاهتمام
و يا ترى إيه اللي جاب بنتِك القصر من غير إذن ؟!
أجابت غنوة بإعتزاز أُم لا تحتمل كلمة جارحة تُلقَى فى ربوع ابنتها الوحيدة
اتصلت عليا كتير ، و أنا مسمعتش الفون .. و لما قلقت ، إجت تطمن عليا ..
اقترب بأس أكثر مما ينبغي ، لتتراجع غنوة إلى الوراء ، يتجسد بداخلها خوف مجهول من ذاك الرجل ... ثم أردف
و إيه سبب القلق ده كله ؟! .. حد قالها إن ده بيت الرعب ؟!
تملك النفور من قلب غنوة بشكل صريح ، لتكشف عنه بإمتعاض ظهر جليًا فى كلماتها
لأ يا باشا ... مش بيت رعب ولا حاجة ... بس دي بنتي الوحيدة .. أبوها إتوفى من سنين ، و سابنا للدنيا ... أنا مليش غيرها ..