زهـرة بين براثِـن البـأس الفصل الأول بقلـم الكاتبـة سيـلا محمـد
و بقدرِك ، و قيمتِك من قيمة رحيق الله يرحمها ؛ لكن حتى رحيق رغم حبي ليها كانت عارفة حدودها كويس .. و المرة الوحيدة اللي عملتها و تخطت حدودها فيها ؛ و ده كان بسببِك .. اتعاقبت عقاب هتفضل فكراه حتى ف قبرها ...
انتبهي ... لسه متخلقش اللي يديني أوامر أو يفرض عليا حاجة ضد رغبتي ...
يبقى لما تتكلمِي تركزي أوي معايا ، و إن كان على اللي حصل دلوقتي .. فأنا أكيد متضايق منه جدًا ، ومش عاجبني .. و أكيد البنت دي هحاسبها عليه
عارفة ليه ؟!
تلك المرة كان الجواب من طرف غازي الذى انقسم داخله ما بين سخط لرحيل غنوة التي احتلت قلبه منذ الوهلة الأولى ، و الغيظ مما صدر فى حق ابنته المدللة من ترفع الجميع عن التصرف فى ظل تلك الجريمة التى دنست هيبتهم ... و مِمَن ؟! ... من المشوهه ذات الوجهين
لذا تحدث فى ضيق ساخط
مش محتاج تسأل ليه ... ببساطة بسبب التصرف الوحشي اللي عملته المسخ دي .. أنا مش عارف إزاي تكون بالبشاعة دي ، و أمها زي البدر ف تمامه ...
انطلق حديث بأس الصارم كرد قاطع أخرس الجميع ، ليقول
حساب البنت دي عندي أقسى مما تتخيل ، لأنها المفروض كانت تضرب دارين بنتك ، قلمين مش قلم واحد .. لكن هي تهاونت يمكن احترامًا لوالي .. و للموجودين ..
ثم نظر إلى دارين فى اشمئزاز
تحبي أكمل و أفرح والدِك و والدتِك بإنجازاتِك الجبارة فى الجامعة .. ولا تحبي أقولهم على كذبِك و افتراكِي على البنت اللي عمرها ما وجهت لك أي عتاب حتى ... ولا أقولهم على الشلة الفاسدة اللي إنتِ ماشية معاها ، اللي ببساطة بمجرد ما هتبعدي عنهم .. هيحاولوا يقربوا من غيداء اللي حرقه دمك من غيرتِك منها ...
كفاية بقى نفسنة البنات دي ، و خليكِي فى مستقبلِك أحسن ؛ يمكن تفلحِي !!
ثم تقدم إلى الأمام ليستطرد فى قوة
الكلام الفارغ اللي حصل دلوقتي ، أو سمعته منك يا حسناء هانم ياريت ميتكررش تاني ؛ عشان وقتها هنسى تماما إن لسه فيه اللي يربطني بيكم ...
و رحل يجاوره أبيه الذى نظر إليه فى فخر ، قائلاً
عفارم عليك يا بأس .. غسلتني من جوه يا بني ... ربنا يعوضك و يسعد قلبك..
فى حين ابتسم بأس ابتسامة شاحبة ، يُخفي خلفها سؤال لا يزال تائه بحاجة إلى الجواب
هل سيقدر على إقناع غنوة أو ابنتها بالعودة إلى العمل من جديد ؟!
هل تعني له شيئًا ؟!
هل تستحق الوقوف بوجه من يُكن لهم مشاعر بدأت برباط العشق ، و رغم الفقدان لايزال الوصال قائم ؟!
هل أنا القلب أم العقل أم الواجب ؟!
بقلم الكاتبة سيلا محمد
وفى جوف ذكرياته التى لا تنتهي ، بإمرأة من سعف الزعفران .. ساحرة شفتاها كما حَب الرمان .. تركت له نائلها رضيعا بقلب منفطر ، و روح انزوت إلى غير رجعة ، و دموع من العينان ..
لتنطلق جوليا راكضة خلف من تُحب ؛ ضاربة بالمنطق ، و انحياز ل شقيقتها الصغرى عرض الحائط ، تنادي بكل ما تملك من المشاعر
بأس ... اسمعني .. أنا مليش ذنب ... أرجوك بلاش تقاطعني .. بلاش تاخدني بذنبهم ..
خيم العبوس على ملامحه ، لتتغير كُليًا إلى أسوء صورة حاول مرارًا ألا يحياها .. عيناه غائرتان تحولتا من اللون الزهري المائل إلى رماديته .. خطوط الغضب تشكلت على جبهته و جانبي وجهه .. أوردة العنق استنفرت بشكل بارز ، و أسنانه السومرية تصطك على بعضها فى أزيز يحمل إنذار لكل من أمامه هاتفا
_ إذا أردت الحياة .. فإبتعد
لذا هتف صارخًا بكل ما يحمله صدره من شعلة الغضب
لو عايزة تحافظي على كرامتِك ؛ إبعدي عني دلوقتي .. أنا لو إلتفت ، هتشوفي مني وش متمناش ألد أعدائي يشوفوه ... أظن واضح !!
ثم رحل ، تهتز الأرض من أسفل قدميه بأنين من قوة العابر فوقها دون أن يهتم ..
يزداد القلق بقلب صلاح الدين كلما وجد ابنه الغالي على تلك الشاكله ...
فى عمره الفائت بأكمله .... رآه على ذاك الوضع ثلاث مرات ...
الأولى بإصرار زوجته الأولى رحيق على طلب الانفصال حين علمت من الأطباء استحالة قدرتها على الإنجاب ..
و الثانية حينما نازعت الموت بين ذراعيه ، و خسارته لها للأبد ..
و الثالثة .. الآن
صرخت حسناء فى ابنتها الكبرى جوليا بعدما وجدت من حماقة ابنتها التى لا ترى فى محيط حياتها سوى بأس ...
حمقاء تُصر على التنازل عن كرامتها ، أنوثتها ، مكانتها ... كل ما تملك لأجل كلمة مكونة من حروف أربع ...
أُحبِك
و الجميع على عِلم بذلك ... و الجميع يستنكرون ذلك ..
و الجميع يثورون غضبًا لذلك ..
لتُقْدِم والدتها على سلوك بدَر منها للمرة الأولى ، و ربما ليست الأخيرة ...
إلتواء كاحلها بين يدي والدتها .... خصلاتها التى شعثت من جذب والدتها لها ... عيناها المحتنقتان .. خليط من تلك الآلام جميعها لا يُقدّر بما سمعته من حبيبها بأس ..
و رغم ما تتجرعه من أوجاع جسدية ، لم تئن .. عيناها لا زالت على وجهتها ... موضع رحيله ..
ربما أحبته بكل ما تملك .. بالعقل .. بالقلب .. بالروح .. بالكيان .. و الجسد الذى يتمناه فى استماته
لسه بتفكري فيه يا عديمة الكرامة .. أُختِك تتهزأ منه ، و تقريبًا شبه بيهددنا ، و صراخه ف وشي ...
كل ده مأثرش فيكي ، و كل اللي يِهمِّك إن الباشا يكون راضي و مبسوط ...
إنتِ لو مفوقتيش لنفسِك ، أنا بنفسي هسفرِك ، ومش هسمح بنزولِك مصر تاني ... فاهمة ولا مش فاهمة ؟!
كان ذاك التهديد الواضح المعالم من قبل والدة جوليا التى اغتاظت من فِعلة بأس الاولية القوية الحدث والتأثير ...
لتفلت الأخيرة كفيها من بين ذراعي والدتها ، قائلة فى تحدي
أيوه بحبه .. و هفضل أحبه ، ومش هتخلى عنه طول ما فيّا نفس .. و قريب أوي هيحس بيا ، و يحبني ..
أنا اللي كنت المفروض أتجوزه ... بس إنتِ السبب ..
طول عمرك بتفضليها عليا ، و بتحبيها أكتر مني ..
أيوه أنا بحبه ... و بكرهِك .. و بكره رحيق .. بكرهها ... بكرهها ...
حانت إلتفاتة من الصغير نائل ، و نظرة خذلان ، و حزن من الجميع .. ثم جرى بعيدًا ، استغل خلاله الفتحة الضيقة من البوابة التى لا زالت على وضعها برحيل غيداء و والدتها ... لينطلق إلى الخارج هاربًا إلى غير هُدي ، ليتفاجىء بسيارة دفع رباعي أمامه ، و قبل أن ينتبه
شلت المفاجأة حركة صاحبها لدى ظهور الصبي الصغير بشكل مفاجيء .. ليعلو صوت الإرتطام ... و صرخة مألوفة ... ثم
سكون دامي ..
هُل سيُغادر الحاضر ليبقى ظلاً من الماضي ؟!
هل سيتكرر الألم الذى لم يجف بعد ، و يبقى على أبيه جمع الرُفات ؟!
هل سينسحب كضوء أبيض باهت من لوحة مزدحمة الألوان ؟!
هل ستخبو سيرته ... حضوره .... ذكراه ؛ دون أن يترك خلفه أثر ؟!
كلها أداة الإستفهام هل .. و تلك الأدلة نفسها لا تعي الإجابة ....
زهرة بين براثِن البأس
بقلم الكاتبة سيلا محمد
﴿ يُتبع ........................................ ﴾