زهـرة بين براثِـن البـأس الفصل الأول بقلـم الكاتبـة سيـلا محمـد

لمحة نيوز

مبتحملش عليها نسمة الهوا ، و فخورة بيها جدًا قدام نفسي و قُدام الناس ...
أنا ربنا كرمني بجوهرة أكيد بخاف عليها تضيع من إيدي ، و زي ما حضرتك عارف ...
لما يكون الخوف على أقرب الناس ليك ، عقلك و تفكيرك بيتجمدوا ، و تبقى مستعد تضحي بروحك عشانه .. زي ابنك مثلاً ...
زي ما بتحبه و هتتجنن لما يبعد عندك ، أنا عندي بنتي بالدنيا وما فيها ...
إجابة منمقة .. بكلمات قوية .. صريحة .. أخرست لسان بأس للحظات ..
لا يزال على دهشته من تلك المرأة و ابنتها ...
يتساءل ما هو سر تلك الأسرة الصغيرة المؤلفة من امرأتين ؟!
للمرة الأولى يعجز عن سبر أغوار من أمامه ..
الكُبرى .. إن تحدثت ؛ تهب من روحها طمأنينة تكفي لترميم جراح القلب ..
رزينة ، تتكيء على جدار الصبر و الجَلد ..
و إن غابت .. تركت خلفها فراغ لا يملأه آلاف الحاضرين .. فقط لأنها تُعطي .. تُقدم بلا حساب .. لا تتوانى عن العطاء ... إحساسها صادق ... و إن أرادت ، و لم تمنحها الحياة .. لا تتذلل ... بل ترحل فى صمت قانعة ...
و أما الصغرى ، فهى معنى التناقض الجميل ..
لم يمنحها القدر سوى وجنتين .. إحداهما يافعة جميلة ، و الأخرى عطباء تثير الشفقة ..
و رغم ما تُعاني .. لا تيأس .. لا تخضع .. لا تخاف ..
أرض قاحلة من الحظوظ الحسنة ، بل سيئها الغالب ...
لكنها لا تزال تُزهر بتلات القُرمُز ..
انطباعه عنها هو التلاعب بمن حولها ، و استجداء الشفقة لأوضاعها المريعة ، و لكنها أمامه منذ القليل واثقة ... لطيفة .. لذيذة حتى فى ظل خوفها و رهبتها ..
ألتِلك الدرجة تتقلد الدهاء .. ؟! ربما .. عليه أن يتأنى و يصبر ، فمن لا ينكشف دواخله اليوم .. سيرضخ فى النهاية حد الاعتراف ... 
بقلم الكاتبة سيلا محمد
أذِن لها فى الرحيل .. بعد أن أثنى على خَمر الصالحين ، مذاقها الطيب بأناملها تجعل من يرتشفها للمرة الأولى ، لا يكتفي ، و من يديها لا يمكن أن يرتوي ...
ابتسمت .. ثم غادرت المكتب فى روية بهدوئها ؛ و رقتها المعتادة ...
و أما فى الخارج ... تقف الأخرى بين نار الخوف ، و كلاليب الخشية ..
تخافه ، و للقاءها العابر به ذكرى لا تُنسى .. رجل مهيب
حاصرها عند المغيب .. لا تدري أبكلماته الجُرح ينزف أم يطيب ؟!
يا له من سيد ! تعلو هامته عِزة .. إلا أن حديثه الساخر ، و نظراته السافرة الثاقبه ، و جديته .. كل ما اعتراها بلقاءه اللحظِي تجاوز حدود الخصال الحسنة ..
نعم ... يتملكه الغرور .. متغطرس ... يُعاني من جنون العظمة .. لا يفقه شيئًا عن النساء .... و .. غير مهذب ..
لتتذكر نظراته التى اخترقتها بلا حياء ؛ مردفة فى استياء 
أما صحيح رجل قليل الأدب ... يا ترى لما الفستان انكشف رجلي كلها بانت ؟!
ثم اتسعت مقلتيها فى فزع ؛ و أردفت 
مصيبة لَيكون شاف رجلي كلها زي ما قال .. بني آدم ساف..ل ..
قررت غيداء الرحيل دون تفكير ، لتلتفِت من أجل الذهاب إلى والدتها و إخبارها بنية سلوكها القادم ، إلا أنها تفاجئت بحضورها تحمل حقيبتها ، قائلة بضحكة قصيرة 
أنا عارفه إني تأخرت عليكِ يا روحي .. معلش كنت بجهِّز نفسي بس .. و أديني جيتلِك أهو ...
لم تكُد غيداء ترى والدتها ، حتى اندفعت إليها ؛ ترتمي داخل أحضانها تنشد أمان غاب عنها لدقائق ، ثم ابتعدت عنها قليلاً لتحتوي وجنتيها فى حب قائلة وسط دموعها
طمنيني يا ماما ... قوليلي صاحب القصر قالِك إيه ؟!
زعلِك فى حاجه ؟! أهانِك لا قدر الله ؟! رفدِك من الشغل ؟! كله يهون إلا كرامتِك ... المهم قوليلي بس إيه اللي حصل يا غنوتي ؟
همست والدتها ببِضع كلمات كما ماء زمزم يداوي حرارة قلبها المشتعل ، ثم أردفت تلك الكلمات بوعد الحديث تفصيليا بعد الرحيل ...
إمرأتين خُلقتا من رحم الصابرين ... ترتبان شتات الليال بأنامل ترتجف من التعب ، لكنهما على عكس المتوقع لا تتوقفان عن البناء ...
لا تُطالبان العالم أن يتفهموا حروبهما ، بل تكتفي أن يراهما الناس بجميل ما يرون ، و ليس بأقبحه ...
و خلال تلك اللحظات ، كانت هناك عيون تُبصِر .. بل تُطالِب بالرحيل معهما ...
عيون تحمل بداخل قلوب أصحابها مختلف المشاعر ..
_ فهناك عيني البأس الذى ظل يتأمل مشهد الأمومة من قِبل غنوة ، و الإشتياق من قبل ابنتها ...
و رغمًا عنه عقله لا يهدأ .. تفكيره بها لا ينتهي ...
و الجنون الأعظم هو ما يتآكل بصدره من أجلها ، و لأجلها ... لكن طاغوت كبرياءه لا يستسلم ولا يرضخ ..
_ أما تلك العيون التى تعطرت بالحكمة ، سلطت سهامها على الأخرى التى ضمت إليها غيدائها فى حنان ..
أحاطتها إحاطة السوار بالمعصم .. قلبه الذى أعلن الاعتزال على مقاعد البدلاء ، صار فى حُسنها حائر ...
_ بينما العينان الصغيرتان اللتان تتألقان فى شغب ، ركض على إثرها الصغير نائل فى سرعة ، محاولاً اللحاق بغيداء قبل رحيلها بصحبة والدتها ... لينادي بكل ما اقتدر من صوت 
استني يا طنط ... استني .
إلتفتت غيداء بلمح البصر ، تتطلع إلى الصغير فى حيرة و حنان ، ثم ركضت إليه تحمله فى شوق أم حُرمت من كلمة عذبة على المسامع ... كلمة ماما 
تحت أمرك يا حبيبي ... قولي بقى عايز إيه من طنط ؟!
رفع نائل كفه اليمنى الصغيرة ، يتحسس بها وجنتي غيداء فى نعومة ، ثم همس فى أذنها 
إنتِ حلوة أوي يا طنط ... وشِك شبه التفاحة .. و أنا بحب التفاح ...
انطلقت ضحكات غيداء فى سعادة ، تليها نظرات الفرحة من غنوة ، التى داعبت خصلات الصغير الشقراء الناعمة ، فى حين تملك الغيظ من بأس لرغبته فى معرفة سر تلك الضحكات ..
بقلم الكاتبة سيلا محمد
إلتقطت غيداء أنامل الصغير تُقبلها إصبعًا يلي الأخر حتى انتهت بقبلاتٍ خمس ، أحيت بقلب نائل إحساس إفتقده طويلاً رغم عشق والده و جده ، و باقي أفراد أسرته ...
انتبهت غنوة للرباط الخفي الذى جمع بين ابنتها و ذاك الصغير فى لحظات ، ليهمس داخلها 
ربنا يخليكي يا بنتي ، و يكتر حبايبِك ... حتى الأطفال بيعشقوكِي .. لو كان أبوه يشوفِك بعيون ابنه .. يبقى ربنا بيحبه ، و كرمه من أوسع أبوابه ... بس هن.... 
انفصل حبل التفكير لدى غنوة بهمس ابنتها بنبرة مشاكسة 
قولتلي بقى .. بتحب التفاح ، و شايفني تفاحة .. يعني بالشكل ده ناوي إنك تا........
ضحك الصغير ضحكته الطفوليه ، ليستكمل حديثها قائلاً 
إني أكلِك
تم نسخ الرابط