الفصل الثاني من حكاية_ضرغام_والحب سلسلة_الناجون_من_الحب"الجزء الأول"بقلم فاطمة محمد & فاطمة طه سلطان.
الفصل الثاني من حكاية_ضرغام_والحب سلسلة_الناجون_من_الحبالجزء الأولبقلم فاطمة محمد فاطمة طه سلطان.
اذكروا الله.
وديتي الواد فين النهاردة؟.
ردت عليه ميار بنبرة هادئة
أكيد عند خالتو.
لم يعقب...
اقتربت منه ميار أكثر، رفعت يدها تمررها على خصلاته، والأخرى على ذقنه بدلالٍ معتاد، وحاولت أن تعيد دفء اللحظة المفقودة....
وسألته بصوت خافت
مالك يا ضرغام مش في المود ليه؟.
أبعد ضرغام يدها عنه برفقٍ، وكأنه يبوح لها بهذا التصرف بما لم يرغب اللسان بالنطق به صراحة، ألا وهو أنه ليس مستعدًا لأي قرب من نوع خاص تتوق هي إليه بعد غياب امتد لأكثر من أسبوع.....
لانت قسمات وجهها، حينها تأكدت أن هناك ما يجرى ويجعله في تلك الحالة لذا قالت بترقب واضح
لا كدة في حاجة بجد..!!
ثم تابعت حديثها بصوت هامس مشتاق
هو أنا مش وحشاك يا ضرغام؟ من أمتى بترجع وتبقى كدة؟ ده أنت مش طايق أني المسك...
نظر لها نظرات لم تفسرها لذلك سألته بصوت أنثوي ناعم
إيه اللي مزعل جوزي حبيبي ومضايقه وموصله للحالة دي؟!
نفث ضرغام دخان سيجارته ثم علق بجمود
عادي مضايق شوية يا ميار، مفيهاش حاجة لما ارجع مرة وأنا دماغي مشغولة ومش في المود زي ما بتقولي..
التقط نفسًا من السيجارة مجددًا وزفره بانفعال قد تسلله أثناء رده عليها ثم أضاف على الفور
بس اللي مش طبيعي أنك عايزاني كل ما أجيلك ابقى كويس وتربطي ده بوحشاني أو لا، لأن أكيد أنتِ وحشاني دي مش عايزة كلام.....
عادت ميار جالسة بجانبه مرة أخرى تسأله بترجي أن يخبرها بالحقيقة وألا يخفي عنها شيء
أومال في إيه مالك، في حاجة حصلت هناك؟!!
ألقت سؤالها الأخير بطريقة ونبرة ذات مغزى وصلت إليه....
هي تعلم قصته الشهيرة مع ابنه عمته...
شفاء
وهو السبب في معرفتها..
هو من سرد عليها وأخبرها عندما سألته منذ سنتين في بداية زواجهما إذ كان سبق له الارتباط قبلها...
فجاء جوابه حينها صريحًا لأقصى درجة والذي كان كالآتي
أكيد حبيت، مش معقول هبقى في السن ده ومحبتش قبل كدة، بس حكايتي كانت مختلفة وقاسية عليا شوية، لدرجة أني مفكرتش في الموضوع تاني، ولا حاولت ارتبط لغاية ما شوفتك ..
لم يتمهل ضرغام أكثر ونفى دون الخوض أو التعمق في هذا النقاش أكثر
لا...
رد بسيط منه جعلها على مشارف طرح المزيد والمزيد من الاسئلة، وهذا ما دفعه لتبديل دفة الحديث
بعد كدة متوديش الواد عند خالتك، أول وأخر مرة، الواد بيوحشني وببقى عايز أقعد معاه، ماشي؟
فهمت ما يفعله ورغم النيران التي تتأكلها أثر شعورها بالغيرة من تلك الفتاة إلا أنها احترمت رغبته وأغلقت النقاش حتى لا تفسد الأمسية بأكملها وهي لا تمتلك دليلًا ملموسًا فقالت برضوخ
حاضر يا ضرغام.
ثم نهضت من مكانها ودارت حول الفراش، ثم تمددت جواره على ظهرها.
مما جعل الصمت يملئ أركان الغرفة..
هو منشغل بقهوته وعلبة سجائره الذي انتشلها واخرج واحدة أخرى بعدما انتهى من أمر الأولى، بينما هي كانت تبصر اللاشيء تتذكر كيف بدأت قصتهما معًا منذ سنتان تقريبًا......
كانت البداية لقاءً عابرًا داخل تلك البناية التي يعيشان فيها الآن في الإسكندرية، بعيدًا عن عائلته وقريبة من مكان عمله، كانت ميار تستأجر شقة هناك، وهو كذلك، ولم يكن بينهما في البداية أكثر من معرفة الجيران العادية؛ تحية مقتضبة هنا، وحديث قصير هناك، ثم يمضي كلٌ منهما إلى طريقه، لكن مع الوقت بدأ يلاحظها أكثر مما ينبغي.
لم يكن الأمر حبًا بالمعنى الذي عرفه من قبل، ولم يكن ذلك الشعور الجارف الذي يقلب حياة الإنسان رأسًا على عقب، بل كان انجذابًا هادئًا لرقتها وحضورها، وإعجابًا بامرأة وجد معها راحة لم يعد يجدها كثيرًا في حياته....
بعد سنوات طويلة من الوحدة، أدرك ضرغام أنه لم يعد شابًا يركض خلف المشاعر الملتهبة، بل رجل تجاوز مرحلة كبيرة من عمره، وعاش ما يكفي من الخسارات والخذلان ليعرف ما الذي ينقصه حقًا....
كان ينقصه وجود امرأة.
امرأة يعود إلى منزل يجدها فيه...
امرأة تشاركه يومه وحديثه وطعامه وصمته....
امرأة تملأ ذلك الفراغ الواسع الذي بدأ يشعر به أكثر مع مرور السنوات وتلبي احتياجاته كرجل...
لذلك حين اقترب من ميار لم يكن مدفوعًا بعشقٍ استثنائي بقدر ما كان مدفوعًا برغبة صادقة في الاستقرار، لم يطاردها طويلًا، ولم يحارب العالم من أجلها، ولم يشعر تجاهها بذلك الاضطراب الذي عرفه يومًا مع شفاء، لكنه وجدها مناسبة لحياته...
والأهم من ذلك أن الأمر لم يكن من طرف واحد.
فميار بدورها رحبت بقربه منها، وفتحت له بابًا لم يغلق في وجهه يومًا، فتقارب الاثنان بصورة طبيعية وبسيطة، خالية من التعقيد والدراما، وحين فكر في الزواج منها، لم يكن القرار وليد قصة حب كبيرة، بل وليد اقتناع، اقتنع أنها امرأة جيدة....
وهي شعرت بأنه رجل يستطيع أن يمنحها الأمان وأحبته بصدقٍ فتم الزواج بينهما، لكن هناك أسباب جعلته يبقى في ذلك الوضع.
ومنذ ذلك الحين أصبحت جزءًا ثابتًا من حياته؛ يقضي معها أغلب وقته داخل منزلهما في الإسكندرية، ويؤجل سفره إلى القاهرة قدر الإمكان، فلا يزور عائلته إلا أيامًا قليلة كل شهر قبل أن يعود من جديد....
لم تكن ميار حب عمره...
ولم يحاول هو يومًا أن يخدع نفسه بهذا، لكنها كانت المرأة التي اختارها حين شعر أن العمر لم يعد يحتمل المزيد من الوحدة، وأن الإنسان مهما ادعى القوة يحتاج في النهاية إلى شخص يجلس في انتظاره حين يعود إلى بيته.....
في اليوم التالي...
جلس إسلام على أحد المقاعد الخشبية القديمة داخل الورشة يراقب صديقه بصمتٍ طال أكثر مما يجب......
كان صوت آلة التقطيع يملأ المكان بضجيج متواصل، يمتزج برائحة الخشب الطازج ونشارة الخشب المتناثرة في كل زاوية، بينما كان علي واقفًا أمام الآلة يعمل بعصبية واضحة، وكأن كل قطعة خشب يمررها تحت يديه هي شيء يريد تفريغ غضبه فيه......
من يراه الآن سيدرك فورًا أنه ليس بخير، ليس بسبب العمل ولا بسبب الإرهاق بل بسبب شيء آخر يعرفه إسلام جيدًا شيء اسمه ليل.
راقبه إسلام للحظات طويلة قبل أن يقول بهدوء
متقلقش على ليل...
لم يرفع علي رأسه حتى ولم يتوقف عن عمله بل رد فورًا بنبرة ساخرة حاول أن يخفي بها ما يشعر به فهو يموت قلقًا ويتصل بها عشرات المرات خلال اليوم ويتشاجرا فيهما
أنا مش بقلق على ليل أنا بقلق منها....
ضحك إسلام رغمًا عنه...
لم يكن علي مجرد رجل عقد قرآنه على عمته الصغيرة ومدللة البيت، بل هو صديقه المقرب منذ أن كانا صغار بل من أقرب أصدقائه.....
لو بس تقول إيه المشكلة اللي حاصلة ما بينكم؟..
ارتبك علي قليلًا ثم قال
حاجة ما بينا وهنحلها بس ترجع عمتك.
علق إسلام بهدوء
ما أنت وافقت على سفرها ليه بقى كل يوم قايد نار كده؟..
توقفت الآلة أخيرًا فألقى علي قطعة الخشب جانبًا بعصبية قبل أن يمسح جبينه بكف يده ثم التفت إليه قائلًا بانزعاج لم يحاول إخفاءه
وافقت علشان أحنا في مشاكل ومكنتش عايز مشاكل تحصل أكتر من كده، ومش عايز أكون العقبة في شغلها وأحلامها.....
ثم أطلق ضحكة ساخرة قصيرة وأكمل
وأصلا جدك وعمك مقوينها مش محتاجين أعمل حاجة.....
كانت ليل بالفعل هي الطفلة التي وُلدت و والدها في الخمسين، كانت المدللة والمختلفة.....
التي كبرت و والدها أكبر من آباء صديقاتها بعشرين عامًا على الأقل، فلم تستطع أن تجده شريكًا في لعبها أو خروجها أو حتى مشاكساتها، فعوضها ضرغام بالحب المبالغ فيه، والسماح بالتدليل.....
وبجمل تتكرر دائمًا
اللي يزعل بنتي يزعلني.
بنتي تعمل اللي هي عايزاه ومحدش يدخل ابدًا فيها سواء أنا عايش أو ميت هتعمل اللي يعجبها.
ليل عارفة هي بتعمل إيه.
أما علي يقطن في البناية المقابلة لعائلة الديب، وأسفلها هناك ورشة خشب، ويقوم فيها بتفصيل الاثاث بصورته الأولى ورشة مشهورة ورثها عن والده وعمل فيها حتى أثناء دراسته لم يتركها في أي وقت من الأوقات حتى بات لها وله اسم معروف...
علي
هو الرجل الذي عُقد قرآنه على ليل منذ خمس سنوات فبعد عقد القرآن وقبل حفل الزفاف....
مرض محمد شقيقها فجأة ثم توفي ولحقت به والدة ليل وفي الفترة نفسها توفي والد علي أيضًا، وعمته، فتحول الفرح المؤجل إلى حزن طويل، واستمر عقد القرآن معلقًا بين بيتين غارقين في المآتم.....
بدأت ليل بعد تخرجها في العمل في تنسيق الحفلات والمؤتمرات التي يحضرها الفنانون والمشاهير، وبعدها استغلت شغفها في تنسيق ملابس وإطلالات الفنانين أو المشاهير، حيث أن هدفها أن يظهر المشهور بإطلالة مناسبة للمناسبة...
ووظيفتها الآن هي ستايسلت أي منسقة أزياء أو مصمِّمة إطلالات لذلك تضطر للسفر إلى محافظات مختلفة والسفر أحيانًا إلى خارج البلاد حيث تقام المهرجانات الضخمة....
فأصبح لها اسم واضح، ورغم عدم إعجاب عائلتها المحافظة عن تلك المهنة إلا أن دعم والدها وتدليله لها جعل رأيهم لا يهم ولا يغير شيء......
الأغرب أن علي نفسه كان يدعمها أيضًا، فكان يفعل ذلك رغم ضيقه، ورغم غيرته ورغم رفضه لأشياء كثيرة تخص هذا المجال، لكنه كان يبتلع كل ذلك لأن أحلامها كانت مهمة بالنسبة له ولأن أيضًا ابتسامتها كانت مهمة بالنسبة له...
ولأنها ببساطة ليل...
لكن كل شيء تعقد بينهما منذ عام ونصف...
ذلك الشجار الذي لا يعرف أحد سببه الحقيقي....
نظر إسلام إلى صديقه طويلًا، ورأى التعب المختبئ خلف ملامحه، ورأى الغضب ورأى الاشتياق الذي يحاول إنكاره ورأى الرجل الذي يقضي يومه كله غاضبًا منها وفي الليل لا يتوقف عن التفكير فيها ثم تنهد ببطء ونهض من مكانه قائلًا
أنا هروح افتح المسجد علشان اظبط الدنيا قبل الظهر، وربنا يصلح الحال يارب، ويهديها ويهديك...
كان إسلام يعمل إمامًا في المسجد الخاص بالمنطقة ويعمل مُدرس لغة عربية وتربية دينية في أحد المدارس الخاصة، يُنهى عمله في المدرسة ويعود فورًا إلى المسجد ولا يعطي أي دروس خصوصية فقط يكتفي بتحفيظ الأطفال القرآن في المسجد في حلقات تعليمية....
ساد الصمت لثوانٍ....
ثم خفتت ملامح علي القاسية قليلًا ولأول مرة منذ بداية الجلسة بدا صادقًا تمامًا دون سخرية أو عناد، فقال بصوت هادئ خرج من قلبه مباشرة
اللهم آمين...
لم يبقى أحمد ساكنًا بعد ما تعرض له على يد ضرغام، فقد سبق و وعده بإنه سيكسر له ذراعه إذا تجرأ ورفعه عليها مجددًا.
وهذا ما حدث وفعله ضرغام حقًا، مما جعل غضب أحمد يشتد خاصة أن ضرغام ليس ابن خالها فقط، بل كان في يوم من الأيام سيكون محله؛ أي زوجًا لها، الفارق الوحيد أن ضرغام كان سيكون عن قصة حب كبيرة بينهما....
وصل أحمد أمام بناية عائلة الديب أخيرًا وقصد شقة والدتها نوال ثم وقف قبالة الشقة ورفع يده السليمة وبدأ يضرب على الباب بقوة فزعت من بالداخل.
هرولت والدتها نحو الباب بعد أن التقطت خمارها سريعًا وارتدته ثم فتحت والدهشة والرعب يملئان صدرها تتساءل عن