الفصل الثاني من حكاية_ضرغام_والحب سلسلة_الناجون_من_الحب"الجزء الأول"بقلم فاطمة محمد & فاطمة طه سلطان.
المحتويات
عن رأسها ثم فك عقدة شعرها، فإنسدل شعرها أمامه وعند تلك اللحظة توقف الزمن.
رغم عمله ورغم ما رآه من نساء، كان شعرها هو هوسه، هو الشيء الوحيد الذي لا يشاركه فيه أحد، حدق به مطولًا ثم قال بنبرة مرعبة كأنها إتهام
أنتِ مكنتيش مهتمة بشعرك ولا إيه؟ أنتِ بتهرجي يا شفاء؟ ده كلام.!!!!في حد عاقل يبقى شعره كدة ويهمل فيه بالمنظر ده!! ده أنا قلبي وجعني من المنظر يا شيخة...
تدخلت نوال وعلقت محاولة كسر هذا التوتر الحادث بينهما
أنا هسيبكم تتكلموا براحتكم يا ولاد.
ثم غادرت إلى المطبخ حتى تصنع الغداء، وتركت شفاء وحدها معه، فقالت شفاء بانفعال مكبوت
هو أنت مبتتكسفش، أمي واقفة إيه اللي عمال بتعمله ده؟.
حاوط خصرها قائلًا بنبرة متلهفة وأنفاس حارة وصوت مبحوح وهي تحاول أن تبعده عنها بصعوبة فكان كالأسد الذي ينقض على فريسته
اتكسفتي ولا إيه؟ ده أنتِ مراتي من سنين طويلة أوي يا شفاء، زمن الكسوف ده المفروض انتهى من بدري أوي يا روحي، وبعدين هو أنا قولت حاجة ده أنا زعلان منك على شعرك.
دفعته شفاء بعيدًا عنها بقوة لا تعلم من أين آتت بها
برضو اتكسف شوية، وبعدين إيه اللي هببته ده! بتبوس رجلي قدامها؟..
همس أحمد بصوت مشبع بالتملك وهو ينظر لها بأعين متوهجة
عشان الدنيا كلها تعرف أنا بحبك قد إيه، وأنتِ عندي إيه يا شفاء؟ أنا بحبك يا ست البنات ارجعي بيتك ونوريه من تاني، أنا مش عارف أعيش من غيركم يا شفاء.
تنهدت وهي تتذكر أحاديث جدها، على النقيض تمامًا بحديث والدتها....
فهي لم تعد تعرف ما هو الصواب!
كانت والدتها محقة في العديد من الأشياء.....
هي لم تعد مراهقة بل امرأة لديها ابنتان وهي تدمر حياتهما بهذا الشكل وإذا تطلقت منه ماذا سوف تفعل؟ هل سوف تظل هنا ترى ضرغام وتحتك به؟
يجب عليها قبل أن تتخذ خطوة الانفصال أن تكون قادرة على أن تعول نفسها وتعول ابنتيها وأن تملك ما يجعلها تستطيع تأجير منزل لهم حتى لا تكن هنا تستمع إلى لوم أمها وترى وتتحسر على ما مضى وهي ترى ضرغام أمامها، ضرغام وحكاية حبهما الغير مكتملة..
غير أن والدتها هددتها ب سر تعلم بأن المنزل كله سيشتعل بسببه إذا علموا به، لذلك هي مجبرة على العودة، لا تملك أي خيار آخر...
قالت شفاء أخيرًا، بصوت متعب
موافقة ارجع معاك يا أحمد بس بشرط.
أضاء وجهه فورًا كمن انتصر في معركة وهتف بلهفة
تؤمري بس وأنا انفذ يا شفاء.
هتسيبني اشتغل من البيت وأبيع الحاجات اللي بعملها ومش هتعترض.
تجمد وجهه...
كان دومًا يعرف بأن الإنفاق سر مهم في استمرار زيجتهما، يعرف بأنه لو أصبح لها مصدر رزق سوف تتركه فرد عليها بنبرة غامضة
ولو مواففتش؟؟.
تمتمت شفاء ببساطة جعلت الشحوب يحل على ملامحه
هروح اعمل توكيل لأقرب محامي اشوفه علشان يخلعني منك....
بعد كل ما فعل من أجلها....
بعد الصعاب التي تخطاها من أجل الحصول عليها وياليته قد حصل على ما يسعد قلبه منها...
لن يتركها تفلت منه، إذا كانت تريد العمل لتعمل لكن تحت عينه فتمتم أحمد بتردد
موافق معنديش مشكلة كفاية أنك تنوري بيتك من تاني.
ثم تابع حديثه بحزن حقيقي
يلا نلحق نروح بس هاخدك الأول البيوتي سنتر لازم نعمل Hair mask ونعتني بشعرك كويس يا شفاء بجد زعلتيني خالص...
ثم التقط خصلة من شعرها وقربها من أنفه واستنشقها بطريقة تعكس إلى مدى مهووس بهم، متمتم باشتياق حقيقي
شعرك وحشني و وحشني ريحته وحشتني كل حاجة فيكِ يا شفاء.
نظرت له بسُخط فهو في عالم أخر، غير العالم التي تتواجد هي فيه، فعقبت شفاء بصوت صفعه وأخرجه من هوسه بخصلاتها
لسه في شرط تاني ويبقى أهم من الأولاني.
إيه تاني؟؟؟
ردت عليه شفاء بنبرة جادة
سهرات في البيت تاني لا، عايز تشرب الهباب اللي بتشربه، اشربه بس بعيد عن البيت اشربه في أي مكان يعجبك لكن بيتي لا يا أحمد سامعني، وقدام بناتي لا؟ ومتجيش بيتي غير وأنت فايق لو جيت سكران وحالتك نيلة هفضحك في العمارة كلها.....
هز رأسه بإيجاب
حاضر مش هيحصل تاني.......
ثم تمتمت شفاء بنبرة أكثر صرامة وتهديد صريح
خلي بالك لو خليت بأي وعد فيهم يا أحمد، أنا مش هكتفي بخلعك بس، لا ده أنا هفضحك في كل حتة؛ حتى شغلك مفيش واحدة هتدخلك تاني...
حل المساء....
وكان هادئًا على غير العادة داخل الشقة، هدوء ثقيل يشبه ذلك النوع من الصمت الذي يسبق نقاشًا قديمًا يتكرر للمرة الألف دون أن يصل أصحابه إلى نتيجة....
جلس الحاج ضرغام على مقعده المتحرك قرب النافذة، يراقب الشارع من حين لآخر، بينما ارتسمت على وجهه ملامح الإرهاق التي لم تفارقه منذ سنوات....
لم يكن المرض وحده ما أثقل كتفيه، بل العُمر، والخسارات المتراكمة، والقلق الذي لا ينتهي على أولاده وأحفاده....
في الجهة الأخرى...
كانت نوال تجلس أمامه، تحتسي الشاي وتحاول أن تبدو واثقة من قرارها، لكنها كانت تعرف في قرارة نفسها أن والدها لن يترك الأمر يمر بهذه السهولة....
قطع الصمت صوته الغاضب وهو ينظر إليها مباشرة بعدما علم بأن شفاء عادت مع زوجها إلى المنزل
رجعتي بنتك لجوزها يا نوال؟؟؟ أنتِ حتى مش بتفكري تأدبيه في مرة وتخوفيه، دايمًا واقفة معاه ضد بنتك!!!!!
تنهدت نوال بضيق، فقد كانت تعرف أن هذا الحديث قادم لا محالة فأجابت محاولة تبرير موقفها
ما هو اتأدب وعرف غلطه، وقعدت شوية حلوين أهي، الأحسن بقى دلوقتي أنها ترجع بيت جوزها هي وبناتها، أصل هتفضل قاعدة هنا تعمل إيه في البيت اللي فيه ضرغام؟ مينفعش نحط النار جنب البنزين يا بابا.
تغيرت ملامح الرجل فورًا....
لم يكن غضبه من كلامها فقط، بل من التلميح نفسه، من تلك الشكوك التي لا تزال تنمو داخل رأس ابنته رغم مرور كل تلك السنوات.......
رفع رأسه إليها وقال بحدة ممزوجة بالاستياء منها
عيب اللي بتقوليه ده يا نوال واللي بتلمحي ليه، بنتك متربية وضرغام متربي وهما الاتنين من ساعة اللي حصل ملهمش علاقة ببعض، المفروض اللي يقول كلام زي ده على بنتك تقطعي لسانه...
ثم أشار بيده لها
وبعدين هنا بيتها، ده المكان اللي يشيلها هي وعيالها لغاية ما ال ده يعرف قيمتها، وأصلًا متتلككيش بضرغام، ضرغام مجاش من ساعة ما بنتك جت هنا، وفي شغله في إسكندرية.
ارتبكت نوال للحظة....
خفضت عينيها ثم عادت ترفع رأسها بعناد تعرفه عائلتها جيدًا، ذلك العناد الذي لازمها منذ أن كانت فتاة صغيرة ناطقة بجدية
الأحسن البت ترجع بيت جوزها يا بابا، هي وبناتها ملهمش إلا جوزها، وأحمد كويس.
قاطعها ضرغام بانفعال حقيقي
كويس إيه يا أم كويس؟ ده مرجع البت وشها وجسمها وارمين، واللي عمله ابن اخوكي ومكنش عجبك هو الصح وعين العقل، أنا لو كنت صالب طولي وواقف على رجلي مكنتش سكت له....
ساد الصمت....صمت ثقيل، فكانت نوال تنظر إلى الأرض، بينما كان والدها يحدق فيها بعينين ممتلئتين بالاستنكار فهو يشعر بعجز ينهش صدره....
فكرة أنه رأى حفيدته تُضرب وتُهان ثم تعود وكأن شيئًا لم يكن كانت تؤلمه أكثر مما يعترف.....
وكان يعلم أن نوال لا تدافع عن أحمد لأنه يستحق الدفاع، بل لأنها تربت على فكرة أن المرأة يجب أن تحتمل....
أن تصبر.
أن تعود.
أن تحافظ على البيت مهما كان الثمن.....
وتلك أفكار يراها الآن تلتهم عُمر حفيدته كما التهمت أعمار نساء كثيرات قبلها، كان يظن هذا لكن الأمر أكبر من ذلك بكثير...
بعد لحظات قالت نوال بصوت أخف حدة
شفاء هي اللي عازت ترجع لبيت جوزها، أكيد مخدهاش بالعافية هي حطت شروطها وهو وافق علشان شاريها؛ وأي راجل فيه جانب وحش ولو بنتي ناصحة المفروض تعرف تروضه.
أغلق ضرغام عينيه للحظة....
لحظة واحدة فقط، كأنه يحاول منع نفسه من قول كلمات قاسية ثم فتحهما ببطء وهو ينظر إليها بحزن أكبر من الغضب، فابنته لن تتغير....
حتى لو وقف أحمد غدًا واعترف بكل شيء، حتى لو عاد وضرب شفاء مرة أخرى، ستجد له عذرًا، ستجد له مبررًا، ستبحث عن سبب يجعل الخطأ أقل فداحة لأنها ببساطة لا تحتمل فكرة انهيار الصورة التي رسمتها عن الزواج والعائلة طوال عُمرها تحديدًا زواج اختاره زوجها الراحل محمود ودعمه.
وفجأة، وكأنها شعرت بثقل الحديث غيرت الموضوع سريعًا وهي تتذكر أمر شقيقتها الصغرى
هي ليل هترجع أمتى؟.
رد عليها ضرغام بانزعاج
قريب إن شاء الله لما المهرجان يخلص.
هنا لمعت عين نوال بتلك النظرة التي يعرفها جيدًا، النظرة التي تظهر كلما ذُكرت ليل.....
مزيج غريب من الغيرة القديمة وعدم الرضا فقالت بمرارة لم تحاول إخفاءها
هو أنتَ مش شايف يا بابا أنك سايب ليها الحبل على الآخر، حتى علي اللي اسمه جوزها طري معاها كده، أنت مكنتش كده على أيامي..
ثم تابعت وقد بدأت المقارنات القديمة تطفو من جديد
حتى جوازتها من علي وافقت عليها رغم أنه أقل منها في كل حاجة، مفرقش حاجة عن محمود جوزي الله يرحمه...
ضحك ضرغام ضحكة ساخرة قصيرة، تلك الضحكة التي تسبق دائمًا كلامًا لن يعجب الطرف الآخر ثم قال
ما أنتِ اتنيلتي اتجوزتي مجايبك وجابلنا قريبه ياخد بنتك علشان يكمل مسيرته وادينا شاربين المُر لغاية دلوقتي بقالنا أكتر من خمسة وتلاتين سنة..
ثم اعتدل في جلسته وأكمل بحدة أكبر
عايزة إيه بقى من ليل؟؟؟...
حل الصمت مجددًا...
لكن هذه المرة كان ضرغام هو من استرسل، كأن سنوات كاملة من الكلام المحبوس خرجت دفعة واحدة...
عيب عليكي تبصي على اختك اللي ضيعت مراهقتها وأحلى فترات حياتها وأبوها على كرسي بعجل، واللي حتى يوم ما فكرت تفرح معرفتش.
اهتز صوته قليلًا رغم محاولته التماسك ثم أكمل
وبقالها سنين متعلقة، بطلي تبصي لغيرك يا نوال، أنتِ اخدتي حقك في كل حاجة تالت ومتلت....
في اليوم التالي، شغل ضرغام نفسه بالعمل، لم يترك شيطان أفكاره يتلاعب به بل أوقفه عند حده كما كان يفعل دائمًا وأبدًا، فقد ظل ناجحًا وعلى هذا الحال حتى تلقى مكالمة من شقيقة قاطعه عما يفعل...
لم يتجاهله بل أجاب عليه، وصل صوت نوح إليه أولًا بمجرد أن فتح المكالمة
الناس اللي بتنسانا وهي مسافرة..
مقدرش أنساك، متقولش كده يا نوح.
مقولش إيه بس ما هو باين أهو بقالك كتير عندك أول مرة تعملها وتطول الغيبة أوي كدة ده أنت بقالك بتاع شهر عندك مشوفناش وشك..
مشاغل يا نوح، كان فيه كام مشكلة هنا في الشغل بحلها...
كاذب ونوح يدرك هذا، فهو يتهرب منها، لا يتحمل وجودها في نفس البناية، هذا أكبر من قدرة تحمله، يجعل قلبه وعقله يستعيدان ذكريات لا ينبغي عليه تذكرهما فلا حكم له على قلبه المسكين....
حمحم بخفوت ثم قرر سؤاله عنها والاطمئنان على حالها وبتردد بسيط سأل نوح
شفاء عاملة إيه؟؟ بتشوفها هي كويسة؟
هنا وقرر نوح مصارحته ومواجهته بالحقيقة
شفاء رجعت لجوزها واتصالحوا امبارح
متابعة القراءة